وقد انتقل الكلام في آخر الآية من سجود التسخير إِلى سجود الطاعة الاختيارية، وذلك في قوله تعالى: {وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ} فهو على تقدير: ويسجد له كثير من الناس سجود طاعة وعبادة، وهم صنف المؤمنين من الفرق الست التي مرت في الآية السابقة {وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ} : وهم باقى الفرق الست لأَنهم لا يخصونه بالسجود - كما مرَّ بيان حالهم - ولا يصح أَن يقصد بسجود كثير من الناس سجود التسخير، فيعطف على من في السماوات والأَرض، لأَن سجود التسخير عام في الناس جميعًا - مؤْمنهم وكافرهم - فلا يصح قصره على المؤْمنين دون سواهم، ومن العلماءِ من جعل {كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ} مبتدأ وقدَّر خبره (حق له الثواب) بدليل ما بعده, وهو قوله سبحانه:
{وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ} : أَي وكثير منهم وجب عليه العذاب بكفره وإِبائه السجود الذي كلفه الله بأَن يكون له خالصًا.
ومن العلماءِ من جعل"كثير"مبتدأَ وقوله"من الناس"خبره على معنى: وكثير من الناس الذين هم الناس على الحقيقة وهم الصالحون المتقون المستحقون للثواب، أَما غيرهم فقد خرجوا عن حقيقة جنسهم بانحرافهم في عقائدهم.
والمعنى الإِجمالى للآية: أَلم تعلم أَيها المفكر العاقل أَن الله تعالى يخضع لتدبيره وحكمته وسلطانه كل ما في السماوات والأَرض، ما استقر فيهما أَو كان جزءًا منهما، وأَنه تخضع له الشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب، فهى مخلوقة له وخاضعة لتدبيره وسلطانه، فكيف يتخذها الناس آلهة معه؟.
ويسجد لله تعالى سجودَ طاعة واختيار كثير من الناس وهم المؤمنون المتقون، فحق لهم الثواب.
وكثير من الناس لا يخصونه تعالى بالسجود فحق عليهم العذاب, ومن يُهِنْهُ الله تعالى بتعذيبه على معاصيه وسوءِ عقيدته، فليس له من يكرمه بإنقاذه من الإِهانة والتعذيب، فإِنه تعالى يفعل ما يشاءُ، مما تقتضيه حكمته وعدله، فلا معقب لحكمه ولا معارض، لمشيئته. انتهى انتهى {التفسير الوسيط، لمجموعة من علماء الأزهر} ...