وهنا مظهر من مظاهر دِقَّة الأداء القرآني: {كُلِّ زَوْجٍ . .} [الحج: 5] لأن كل المخلوقات ، سواء أكانت جماداً أو نباتاً أو حيواناً ، لا بُدَّ فيه من ذكر وأنثى ، هذه الزوجية قال الله فيها: {وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ . .} [الذاريات: 49] حتى في الجماد الذي نظنه جماداً لا حركةَ فيه ، يتكَّون من زوجين: سالب وموجب في الكهرباء ، وفي الذرة ، وفي المغناطيس ، فكلُّ شيء يعطي أعلى منه ، فلا بُدَّ فيه من زوجيْن .
لذلك ، فالحق سبحانه وتعالى حينما عالج هذه المسألة عالجها برصيد احتياطي في القرآن ، يقول سبحانه: {سُبْحَانَ الذي خَلَق الأزواج كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ الأرض وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ} [يس: 36] .
فقوله سبحانه: {وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ} [يس: 36] رصيد عالٍ لما سيأتي به العلم من اكتشافات تثبت صِدْق القرآن على مَرِّ الأيام ، ففي الماضي عرفنا الكهرباء ، وأنها سالب وموجب فقلنا: هذه مما لا نعلم ، وفي الماضي القريب عرفنا الذرة فقلنا: هذه مما لا نعلم ، وفي الماضي القريب عرفنا الذرة فقلنا: هذه مما لا نعلم ، وهذا وجه من وجوه الإعجاز في القرآن الكريم .
إذن: خُذْها قضية عامة: كل شيء يتكاثر إلى أعلى منه ، فلا بُدَّ ان فيه زوجية .
فقوله تعالى: {وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} [الحج: 5] فالزوج من النبات مفرد معه مثله ، وهذا واضح في لقاح الذكر والأنثى ، هذا اللقاح قد يكون في الذكر وحده ، أو في الأنثى وحدها كما في النخل مثلاً ، وقد يكون العنصران معاً في النبات الواحد كما في سنبلة القمح أو كوز الذرة .