وقوله تعالى: {ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً . .} [الحج: 5] قال: {نُخْرِجُكُمْ . .} [الحج: 5] بصيغة الجمع ولم يقُلْ: أطفالاً إنما {طِفْلاً . .} [الحج: 5] بصيغة المفرد ، لماذا؟ قالوا: في اللغة ألفاظ يستوي فيها المفرد والجمع ، فطفل هنا بمعنى أطفال ، وقد وردتْ أطفال في موضع آخر في قوله سبحانه:
{وَإِذَا بَلَغَ الأطفال مِنكُمُ الحلم . .} [النور: 59] .
وكما تقول هذا رجل عَدْل ، ورجال عَدْل . وفي قصة سيدنا إبراهيم - عليه السلام - يتكلم عن الأصنام فيقول: {فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي . .} [الشعراء: 77] ولم يقُلْ: أعداء . وحينما تكلم عن ضَيْفه قال: {هَؤُلآءِ ضَيْفِي . .} [الحجر: 68] ولم يقل: ضيوفي ، إذن: المفرد هنا يُؤدِّي معنى الجمع .
ثم يقول سبحانه: {ثُمَّ لتبلغوا أَشُدَّكُمْ . .} [الحج: 5] وهكذا ، وسبق أنْ تحدَّثنا عن مراحل عمر الإنسان ، وأنه يمر بمرحلة الرُّشْد: رُشْد البنية حين يصبح قادراً على إنجاب مثله ، ورُشْد العقل حين يصبح قادراً على التصرّف السليم ، ويُحسن الاختيار بين البدائل .
ثم تأتي مرحلة الأشد: {حتى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ . .} [الأحقاف: 15] يعني: نضج نُضْجاً من حوادث الحياة أيضاً .
ثم يقول تعالى: {وَمِنكُمْ مَّن يتوفى وَمِنكُمْ مَّن يُرَدُّ إلى أَرْذَلِ العمر . .} [الحج: 5] وأرذل العمر يعني رديئه ، حين تظهر على الإنسان علامات الخَوَر والضعف {لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً . .} [الحج: 5] لأنه ينسى ، وعندها يعرف أن صحته وقوته وسلطانه ليست ذاتية فيه ، إنما موهوبة له من الله .
وإذا بلغ الرجل أرذلَ العمر يعود من جديد إلى مرحلة الطفولة تدريجياً ، فيحتاج لمَنْ يأخذ بيده ليقوم أو ليمشي ، كما تأخذ بيد الطفل الصغير ، فإذا تكلّم يتهته ويتلعثم كالطفل الذي يتعلم الكلام . . وهكذا في جميع شئونه .