قوله تعالى {وقل جاء الحق} يعني الإسلام والقرآن {وزهق الباطل} أي الشرك والشيطان {إن الباطل كان زهوقاً} أي مضمحلاً غير ثابت ، وذلك أن الباطل وإن كان له دولة وصولة في وقت من الأوقات فهو سريع الذهاب والزوال (ق) .
عن عبد الله بن مسعود قال: دخل النبي (صلى الله عليه وسلم) مكة يوم الفتح وكان حول البيت ثلثمائة وستون صنماً فجعل يطعنها يعود في يده ويقول: جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً جاء الحق ، وما يبدئ الباطل وما يعيد.
قوله تعالى: {وننزل من القرآن ما هو شفاء} من في قوله تعالى من القرآن لبيان الجنس والمعنى: ننزل من هذا الجنس الذي هو القرآن ما هو شفاء أي بيان من الضلالة الجهالة ، يتبين به المختلف فيه ويتضح به المشكل ، ويستشفى به من الشبهة ويهتدى به من الحيرة وهو شفاء القلوب بزوال الجهل عنها.
وقيل: هو شفاء للأمراض الباطنة والظاهرة ، وذلك لأنها تنقسم إلى نوعين (1)
أحدهما الاعتقادات الباطلة ، والثاني الأخلاق المذمومة أما الاعتقادات الباطلة فأشدها فساداً والاعتقادات الفاسدة في الذات والصفات والنبوات والقضاء والقدر والبعث بعد الموت ، فالقرآن كتاب مشتمل على دلائل المذهب الحق في هذه الأشياء وابطال المذاهب الفاسدة ، لا جرم ، كان القرآن شفاء لما في القلوب من هذا النوع.
وأما النوع الثاني: وهو الأخلاق المذمومة فالقرآن مشتمل على التنفير منها ، والإرشاد إلى الأخلاق المحمودة والأعمال الفاضلة ، فثبت أن القرآن شفاء من جميع الأمراض الباطنة وأما كونه شفاء من الأمراض الجسمانية ، فلأن التبرك بقراءته يدفع كثيراً من الأمراض.
(1) قوله لأنها تنقسم إلى نوعين أي الأمراض الغير الجسمانية بدليل قوله بعد وأما كونه شفاء من الأمراض الجسمانية والعبارة في الفخر الرازي بغاية التهذيب فليراجع.