قَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَنْ تَأَوَّلَ دُلُوكَ الشَّمْسِ عَلَى غُرُوبِهَا فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ تَأْوِيلُ غَسَقِ اللَّيْلِ عِنْدَهُ غُرُوبَهَا أَيْضًا لِأَنَّهُ جَعَلَ الِابْتِدَاءَ الدُّلُوكَ وَغَسَقُ اللَّيْلِ غَايَةٌ لَهُ ، وَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ غَايَةً لِنَفْسِهِ فَيَكُونُ هُوَ الِابْتِدَاءُ وَهُوَ الْغَايَةُ ، فَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِالدُّلُوكِ غُرُوبَهَا فَغَسَقُ اللَّيْلِ هُوَ إمَّا الشَّفَقُ الَّذِي هُوَ آخِرُ وَقْتِ الْمَغْرِبِ أَوْ اجْتِمَاعُ الظُّلْمَةِ وَهُوَ أَيْضًا غَيْبُوبَةُ الشَّفَقِ لِأَنَّهُ لَا يَجْتَمِعُ إلَّا بِغَيْبُوبَةِ الْبَيَاضِ ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ آخِرَ وَقْتِ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ الْمُسْتَحَبِّ وَهُوَ انْتِصَافُ اللَّيْلِ ، فَيَنْتَظِمُ اللَّفْظُ حِينَئِذٍ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ الْآخِرَةَ.
قَوْله تَعَالَى: {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} قَالَ أَبُو بَكْرٍ: هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: {أَقِمْ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} وَتَقْدِيرُهُ: أَقِمْ قُرْآنَ الْفَجْرِ وَفِيهِ الدَّلَالَةُ عَلَى وُجُوبِ الْقِرَاءَةِ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ لِأَنَّ الْأَمْرَ عَلَى الْوُجُوبِ وَلَا قِرَاءَةَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَاجِبَةٌ إلَّا فِي الصَّلَاةِ.
فَإِنْ قِيلَ: مَعْنَاهُ صَلَاةُ الْفَجْرِ.
قِيلَ لَهُ: هَذَا غَلَطٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ تَجْعَلَ الْقِرَاءَةَ عِبَارَةً عَنْ الصَّلَاةِ لِأَنَّهُ صَرْفٌ لِلْكَلَامِ عَنْ حَقِيقَتِهِ إلَى الْمَجَازِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ.