قلت: وحيث علمت أن الإنسان من الملك والبهيمة بحيث إنه بقدر ما يغلب عقلُه ونُهاه شهوتَه وهواه يقرب من الملائكة، ثم يترقى حتى يصير في منزلتهم أو يفوقها كما في الحديث المار يقول الله تعالى:"أيُّها الشَّابُّ التَّارِكُ شَهْوَتَهُ لي، أَنْتَ عِنْدِي كَبَعْضِ مَلائِكَتي".
وكما روى الطبراني في"الأوسط"عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"قالَ اللهُ تَعالى: عَبْدِي المؤْمِنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ بَعْضِ مَلائِكَتي".
وبقدر ما تغلب شهوتُه عقلَه يقرب من البهائم، ثم يتأخر حتى يصير في منزلة البهيمة، أو ينزل في حضيض أسفل من منزلة البهائم كما قال الله تعالى: {إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ} [سورة الفرقان: 44] .
فقد ظهر لك في ترتيب كتابنا هذا سر عجيب، وهو أنا ذكرنا أولاً التشبه بالملائكة عليهم السلام، وجعلناه في بداية القسم الأول من الكتاب، وذكرنا آخراً التشبه بالبهائم، وجعلناه في نهاية القسم الثاني من الكتاب، فكان التشبه بالملائكة والتشبه بالبهائم كطرفين للكتاب أعلى وأدنى، وكان المتشبه بالملائكة في الطرف الأعلى من الإنسانية، والمتشبه بالبهائم في الطرف الأدنى من الحيوانية، وجعلنا التخلق بأخلاق الله تعالى في وسط الكتاب لأنه هو النهاية التي يُنتَهى إليها بسير السائرين، والمحط الذي عليه تحط رحال العارفين، ثم ذكرنا بعد ذلك النهي عن التشبه بالشيطان إشارة إلى من لم يتخلق بأخلاق الله - عز وجل -، ولا بأخلاق عباده الصالحين فهو إما شيطان، وإما قرين شيطان، وإما بهيمة في صورة إنسان.
فعدنا بعد الأمر بالتلبس بالحق إلى الزجر عن التلبس بالباطل، فكأن لسان الحال قد قال: إن لم تأمر بما أمرناك به من السلوك في مسالك الأبرار والأخيار، فلا أقل من أن تنزجر عن الذهاب في سبيل الفجار والأخيار، فإن لم يُصبها وابلٌ فَطَل.
وإذا انحصر الحق في التخلق بأخلاق الله تعالى، وأخلاق عباده
الصالحين، فماذا بعد الحق إلا الضلال، فتبين بذلك أن من لم يترق في درجات الحق فهو متنزل في دركات الباطل؛ والله سبحانه وتعالى هو الموفق.
فَصْلٌ