وكأن الحق سبحانه يريد من هذه الواقعة أن تكون تمهيداً لحدث أهم ، وهو ما كان من رسول الله ليلة الهجرة ، ليلة أنْ بيَّتوا له القتل بضربة رجل واحد ، فتحرسه عناية الله وتقوم له: اخرج عليهم ولا تخف ، فإن الذي جعلك تقرأ وجعل بينك وبينهم حجاباً فلا يستمعون إليك ، هو الذي سينزل على أعينهم غشاوة فلا يرونك.
ومع إحكام خيوط هذه المؤامرة لم يخرج الرسول من بينهم صامتاً يحبس أنفاسه خَوْفاً ، بل خرج وهو يقول"شاهت الوجوه"وهو لا يخشى انتباههم إليه ، وأكثر من ذلك: يأخذ حفنة من التراب ويذروها على وجوههم ، إنها الثقة واليقين في نصره وتأييده.
وقوله: حِجَاباً مَّسْتُوراً { [الإسراء: 45]
الحجاب: هو المانع من الإدراك ، فإنْ كان للعين فهو مانع للرؤية ، وإنْ كان للأذن فهو مانع للسمع.
وكلمة مَّسْتُوراً اسم مفعول من الستر ، فلم يقل الحق سبحانه وتعالى (ساتراً) ، وهذا من قبيل المبالغة في الستر والإخفاء ، فالمعنى أن الحجاب الذي يمنعهم من سماعك أو رؤيتك هو نفسه مستور ، فإن كان الحجاب نفسه مستوراً ، فما بالُكَ بما خلفه؟
ولاشكَّ أن الذِّهْن سينشغل هنا بالحجاب المادي ، لكن هذا الحجاب الذي يتحدث عنه الحق سبحانه حجاب معنويّ ولا يراه أحد ، كما في قوله تعالى: {رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا} [الرعد: 2]
فلو قال: بغير عَمَد وسكت فقد نفى وجود عمد للسماء وانتهت المسألة ، وأدخلناها تحت قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَن تَزُولاَ} [فاطر: 41] فالأمر قائم على قدرة الله دون وجود عَمَدٍ تحمل السماء.
لكن قوله سبحانه: تَرَوْنَهَا تجعل المعنى صالحاً لأنْ نقول بغير عَمَد ، وأنتم ترونها كذلك ، فننظر هنا وهناك فلا نجد للسماء عمداً تحملها ، أو نقول: إن لها عمداً لكِنَّا لا نراها ، فهي عَمَد معنوية ، فلا ينصرف ذهنك إلى ما نقيمه نحن من عَمد المسلح أو الرخام أو الحديد.