وفي هذا ما يدُكُّ الغرور في الإنسان ، ليعلم أنه لا يدرك إلا ما أذن الله له في إدراكه ، وأن حواسَّ الإدراك لديه قد تتوقف عن هذا الإدراك ، فليس معنى أنها مدركة أن تظل مدركة دائماً ، فليس لها طلاقة لتفعل ما تشاء ، بل الحق سبحانه وتعالى يعطيها هذه القدرة ، أو يسلبها إياها.
فالقدرة الإلهية هي التي تُسيِّر هذا الكون ، وتأمر كل شيء بأن تُؤدِّي مهمته في الحياة ، وإنْ شاء عطّلها عن أداء هذه المهمة ؛ لذلك نرفض قول الفلاسفة أن الحق سبحانه وتعالى زاول سلطانه في مُلْكه مرة واحدة ، بأن جعل فيه النواميس والقوانين ، وهي التي تحكم العالم وتُسيِّره.
ففي قصة موسى - عليه السلام - أنه سار بجيشه ، يطارده فرعون وجنوده حتى وصل إلى شاطئ البحر فأصبح البحر من أمامه ، وفرعون من خلفه حتى قال أصحاب موسى: {إِنَّا لَمُدْرَكُونَ..} [الشعراء: 61]
فأين المفر ، وهاهو البحر من أمامنا ، والعدو من خلفنا؟ وهذا كلام منطقي مع واقع الحديث البشري ، لكن الأمر يختلف عند موسى - عليه السلام - فقال بملء فيه: {قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} [الشعراء: 62]
فهل قالها موسى برصيد بشري؟ لا ، بل بما عنده من ثقة في ربه ، وهكذا انتقلت المسألة إلى ساحة الخالق سبحانه ، فقال لنبيه موسى: {فَأَوْحَيْنَآ إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ} [الشعراء: 63]
فخرق الله لموسى قانون سيولة الماء واستطراقه ، ويتجمد الماء ، ويصير كالجبل ويتحول البحر إلى يابسة ، ويعبر موسى وقومه إلى الناحية الأخرى ، وتنشرح صدورهم بفرحة النجاة ، ويأخذ موسى - عليه السلام - عصاه ليضرب البحر ليعود إلى طبيعته ، وحتى لا يعبره فرعون ويلحق به ، لكن الحق سبحانه يأمره ، أن يتركه على حاله: {وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْواً إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ} [الدخان: 24]