العذاب: عقوبة على مخالفة ، لكن قبل أنْ تُعاقبني عليها لا بُدَّ أن تُعلِّمني أن هذه مخالفة أو جريمة (وهي العمل الذي يكسر سلامة المجتمع) ، فلا جريمة إلا بنصٍّ ينصُّ عليها ويُقنّنها ، ويُحدِّد العقاب عليها ، ثم بعد ذلك يجب الإعلام بها في الجرائد الرسمية لكي يطلع عليها الناس ، وبذلك تُقام عليهم الحجة إنْ خالفوا أو تعرَّضوا لهذه العقوبة.
لذلك حتى في القانون الوضعي نقول: لا عقوبة إلا بتجريم ، ولا تجريم إلا بنصٍّ ، ولا نصَّ إلا بإعلام.
فإذا ما اتضحت هذه الأركان في أذهان الناس كان للعقوبة معنى ، وقامت الحجة على المخالفين ، أما أنْ نعاقب شخصاً على جريمة هو لا يعلم بها ، فله أن يعترضَ عليك من منطلق هذه الآية.
أما أنْ يُجرَّم هذا العمل ، ويُعلَن عنه في الصحف الرسمية ، فلا حجة لمَنْ جهله بعد ذلك ؛ لأن الجهل به بعد الإعلام عنه لا يُعفِي من العقوبة.
فكأن قول الله تعالى: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً { [الإسراء: 15] يجمع هذه الأركان السابقة: الجريمة ، والعقوبة ، والنص ، والإعلام ، حيث أرسل الله الرسول يُعلِّم الناس منهج الحق سبحانه ، ويُحدّد لهم ما جرمه الشرع والعقوبة عليه.
لذلك يقول تعالى في آية أخرى: {وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ} [فاطر: 24]
ويقول: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ أَن تَقُولُواْ مَا جَآءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ..} [المائدة:19]
إذن: قد انقطعت حجتكم برسالة محمد البشير النذير صلى الله عليه وسلم.
وقد وقف العلماء أمام هذه القضية فقالوا: إن كانت الحجة قد قامت على مَن آمن برسالة محمد صلى الله عليه وسلم ، فما بال الكافر الذي لم يؤمن ولم يعلم منهج الله؟ وكأنهم يلتمسون له العذر بكفره.