قال الزمخشري: و {الفاء} للعطف على محذوف تقديره: أنجوتم فأمنتم انتهى، وتقدم لنا الكلام معه في دعواه أنّ {الفاء} و {الواو} في مثل هذا التركيب للعطف على محذوفٍ بين الهمزة وحرف العطف، وأنّ مذهب الجماعة أن لّا محذوف هناك، وأنّ الفاء والواو للعطف على ما قبلها، وأنه اعتني بهمزة الاستفهام، لكونها لها صدر الكلام، فقدمت، والنية التأخير، وأن التقدير: أفأمنتم، وقد رجع الزمخشري إلى مذهب الجماعة. {أَوْ} أمنتم {أن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ} من فوقكم {حاصِبًا} ؛ أي: ريحًا ترمي الحصباء، وهي الحصى الصغار، يرجمكم بها فيكون أشدّ عليكم من الغرق في البحر، وقيل: أي أو يمطر عليكم حصباء كما أرسلها على قوم لوط، وأصحاب الفيل، {ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا} ؛ أي: حفظيا يحفظكم من ذلك، وناصرا يصرفه عنكم، فإنه لا رادّ لأمره الغالب.
والمعنى: أي أفحسبتم أنكم بخروجكم إلى البر أمنتم من انتقام الله وعذابه، فهو إن شاء .. خسف بكم جانب البر وغيّبه في أعماق الأرض، وأنتم عليها، وإن شاء .. أمطر عليكم حجارةً من السماء تقتلكم كما فعل بقوم لوط، ثمّ لا تجدون من تكلون إليه أموركم، فيحفظكم من ذلك أو يصرفه عنكم غيره جل وعلا.
وخلاصة ذلك: إن لم يصبكم بالهلاك من تحتكم بالخسف، أصابكم من فوقكم بريح يرسلها عليكم، فيها الحصباء يرجمكم بها، فيكون أشدّ عليكم من الغرق في البحر.
69 -و {أَمْ} في قوله: {أَمْ أَمِنْتُمْ} منقطعة تقدر بـ {بل} وبهمزة الاستفهام الإنكاري؛ أي: بل أأمنتم {أَنْ يُعِيدَكُمْ} الله سبحانه وتعالى {فِيهِ} ؛ أي: في البحر بعد خروجكم إلى البر وسلامتكم {تارَةً} ؛ أي: مرة {أُخْرى} بخلق دواعٍ وأسباب تلجئكم إلى أن ترجعوا فتركبوه، فإسناد الإعادة إليه تعالى مع أنّ العود إليه باختيارهم باعتبار خلق تلك الدواعي الملجئة، وفيه إيماء إلى كمال شدة هول ما لاقوه في التارة الأولى، بحيث لولا الإعادة لما عادوا، وأوثرت كلمة (في) على كلمة (إلى) المنبئة عن مجرد الانتهاء للدلالة على استقرارهم فيه.