من الرحمة وَنُخَوِّفُهُمْ أي ونخوف الكافرين بالوعيد والعذاب والنكال فَما يَزِيدُهُمْ أي التخويف إِلَّا طُغْياناً كَبِيراً أي إلا تماديا فيما هم فيه من الكفر والضلال وذلك من خذلان الله لهم. قال النسفي: فكيف يجاب قوم هذه حالهم بإرسال ما يقترحون من الآيات؟ فكأنه ربط بين هذه الآية وما قبلها وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفاً
وهكذا اتضح أن موضوع الهداية والضلال موضوع بعيد الغور فالله عزّ وجل يبتلي الناس بأنواع من الابتلاءات ليتمحص الإيمان الصافي وأهله، والله عزّ وجل أعلم إذ يهدي ويضل، والكافرون لا يستفيدون من شيء، والله محيط بكل شيء، ولنلاحظ
الصلة بين الآية التي هي مقدمة المقطع: وَما يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُوراً ونهاية هذه الآية فَما يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْياناً كَبِيراً فلا القرآن ينفعهم، ولا الآيات تنفعهم، ولا ما يحدث حولهم ينفعهم. فموضوع الهداية والضلال ترتبط به أمور وأمور، والله هو المحيط علما بكل شيء ثم يأتي الموضوع الثاني المبدوء بكلمة إذ.
وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ أي واذكر إذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أبى أن يسجد افتخارا على آدم واحتقارا له قالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً أي أأسجد له وهو طين، أي وأصله طين
قالَ الشيطان أَرَأَيْتَكَ أي أخبرني هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ أي أخبرني عن هذا الذي فضّلته، لم كرّمته علي وأنا خير منه. فحذف ذلك اختصارا لدلالة ما تقدم عليه لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ أي لأستولينّ عليهم ولأضلنهم ولأستأصلنهم بإغوائهم إِلَّا قَلِيلًا وهم المخلصون، وإنما علم الملعون ذلك إما بالإعلام أو لأنه رأى أنه خلق شهواني، أو لأنه رأى أنواعا من مثله على الأرض من قبل فاستدل بفعلهم على احتمالات ما يفعلونه
قالَ اذْهَبْ أي امض لشأنك الذي اخترته خذلانا وتخلية، ثم أعقبه بذكر ما جرّه سوء اختياره فقال: فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ جَزاءً مَوْفُوراً أي وافرا موفرا عليكم، لا ينقص لكم منه شئ