قوله:"لأحْتَنِكَنَّ"جوابُ القسمِ المُوَطَّأ له باللام . ومعنى"لأحْتَنِكَنَّ"لأَسْتَوْلِيَنَّ عليهم استيلاءَ مَنْ جَعَلَ في حَنَكِ الدابَّةِ حَبْلاً يقودُها به فلا تأبى ولا تَشْمُسُ عليه . يقال: حَنَك فلانٌ الدابةَ واحْتَنَكها ، أي: فَعَل بها ذلك ، واحْتَنَكَ الجرادُ الأرض: أكلَ نباتها قال:
3077 - نَشْكُو إليك سَنَةً قد أَجْحَفَتْ ... جَهْداً إلى جَهْدٍ بنا فأضعفَتْ
واحتنكَتْ أموالَنا وجَلَّفَتْ ... وحكى سيبويه:"أحْنَكُ الشاتَيْن ، أي: آكَلُهما ، أي: أكثرُهما أَكْلاً ."
{قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا (63) }
قوله تعالى: {اذهب فَمَن} : تقدَّم أنَّ الباءَ تُدْغَمُ في الفاءِ في ألفاظٍ منها هذه ، عند أبي عمروٍ والكسائيِّ وحمزةَ في رواية خلاَّدٍ عنه بخلافٍ في قوله: {وَمَن لَّمْ يَتُبْ فأولئك} [الحجرات: 11] .
قوله:"جزاؤُكم"يجوز أن يكونَ الخطابُ التغليبَ لأنه تقدَّم غائبٌ ومخاطبٌ في قولِه: {فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ} فغلَّب المخاطَب ، ويجوز أن يكونَ الخطابُ مراداً به"مَنْ"خاصةً ويكونُ ذلك على سبيل الالتفات .
قوله:"جَزاءً"في نصبِه أوجهٌ ، أحدُها: أنه منصوبٌ على المصدرِ ، الناصبُ له المصدرُ قبله ، وهو مصدرٌ مبيِّن لنوعِ المصدرِ الأول . الثاني: أنه منصوبٌ على المصدرِ أيضاً لكن بمضمرٍ ، أي: يُجازَوْن جزاءً . الثالث: أنه حالٌ موطِّئة كجاء زيد رجلاً صالحاً . الرابع: أنه تمييزٌ وهو غيرُ مُتَعَقَّل .
و"مَوْفُوراً"اسمُ مفعولٍ مِنْ وَفَرْتُه ، ووفَرَ يُستعمل متعدِّياً ، ومنه قولُ زهير:
3078 - ومن يَجْعَلِ المعروفَ مِنْ دُوْنِ عِرْضِهِ ... يَفِرْه ومَنْ لا يَتَّقِ الشتم يُشْتَمِ
والآيةُ الكريمةُ من هذا ، ويُستعمل لازماً يقال: وَفَرَ المالُ .