إذن: {فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ..} [النساء: 25] أي: من الجَلْد ، وهو الذي يُنصَّف ، ولو كان الحكم عاماً لَقَال: فعليهن نصف ما على المحصنات. فقوله: {مِنَ الْعَذَابِ..} [النساء: 25] دليل على وجود الرَّجْم الذي لا فَرْق فيه بين حُرة وأمة.
وكذلك نلحظ التدرج من العذاب إلى الإهلاك في قول سليمان - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام - حينما تفقّد الطير ، واكتشف غياب الهدهد: {لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ..} [النمل: 21]
ولسائل أنْ يسأل: هل لا بُدَّ للقرى الظالمة أن ينالها الإهلاك أو العذاب قبل يوم القيامة؟
نعم لا بُدَّ أن يمسَّهم شيء من هذا ؛ لأن الله تعالى لو أخَّر كل العذاب لهؤلاء إلى يوم القيامة لاستشرى الظلم وعمَّ الفساد في الكون ، وحين يرى الناس الظالم يرتع في الحياة ، وينعم بها مع ظلمه لأغراهم ذلك بالظلم ، أما إذا رأوه وقد حاق به سوء عمله ، ونزلت به النوازل لارتدعوا عن الظلم ، ولَعلِموا أن عاقبته وخيمة ، ولن يفلت الظالم من عذاب الدنيا قبل عذاب الآخرة. أما لو تأخر عذاب الظالمين إلى الآخرة ، فالوَيْل مِمَّنْ لا يؤمنون بها.
لذلك لما مات رَأْسٌ من رؤوس الظلم في الشام ، ولم يَرَ الناس أثراً لعذاب أو نقمة ، قال أحدهم: إن وراء هذا الدار داراً يُجَازى فيها المحسن بإحسانه ، والمسيء بإساءته ؛ لأنه يستحيل أنْ يُفلِتَ الظالم من العذاب.
وفي مناقشتي مع الشيوعيين في بروكسل قلت لهم: لقد قسوتُمْ على المخالفين لكم من الرأسماليين والإقطاعيين عام 1917 وما بعدها ، فقالوا: إنهم يستحقون أكثر من ذلك ، فقد فعلوا كذا وكذا ، قُلْت: منذ متى؟ قالوا: طوال عمرهم وهم يفعلون ذلك ، فقلتُ: إذا كنتم أخذتم المعاصرين لكم بذنوبهم ، فما بال الذين سبقوهم؟ وما حظّهم من العقاب الذي أنزلتموه بإخوانهم؟ قالوا: ما أدركناهم.