وهذا المعنى الذي بينه جل وعلا في هذه الآية الكريمة: من أن كل معبود من دون الله لا ينفع عابده ، وأن كل معبود من دونه مفتقر إليه ومحتاج له جل وعلا - بينه أيضاً في مواضع أخر ، كقوله"في سبأ" {قُلِ ادعوا الذين زَعَمْتُمْ مِّن دُونِ الله لاَ يَمْلِكُونَ مِثُقَالَ ذَرَّةٍ فِي السماوات وَلاَ فِي الأرض وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِّن ظَهِيرٍ وَلاَ تَنفَعُ الشفاعة عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} [سبأ: 22 - 23] ، وقوله"في الزمر": {أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ الله إِنْ أَرَادَنِيَ الله بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ الله عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ المتوكلون} [الزمر: 38] ، إلى غير ذلك من الآيات وقد قدمنا"في سروة المائدة"أن المراد بالوسيلة في هذه الآية الكريمة"وفي آية المائدة": هو التقرب إلى الله بالعمل الصالح. ومنه قول لبيد:
أرى الناس لا يدرون ما قدر أمرهم... بلى كل ذي لب إلى الله واسل
وقد قدمنا"في المائدة"ان التحقيق أن قول عنترة:
إن الرجال لهم إليك وسيلة... إن يأخذوك تكحلي وتخضبي
من هذا المعنى ، كما قدمنا أنها تجمع على وسائل ، كقوله:
إذا غفل الواشون عدنا لوصلنا... وعاد التصافي بيننا والوسائل
وأصح الأعاريب في قوله: {أَيُّهُمْ أَقْرَبُ} أنه بدل من واو الفاعل في قوله {يَبْتَغُونَ} وقد أوضحنا هذا"في سورة المائدة"بما أغنى عن إعادته هنا ، والعلم عند الله تعالى.
{وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا (58) }