وإنما سماه الفوز العظيم؛ لأنه أوجب لهم أعظم المطالب وهو الجنة وما فيها وقد فصل ما أجمله في هذه الآية في الآية السابقة فقال: {ذلِكَم} ؛ أي: الإيمان بالله تعالى ورسوله والجهاد في سبيله المعبر عنه بالتجارة المنجية من العذاب الأليم {خَيْرٌ لَكُمْ} ؛ أي: من تجارة الدنيا ومكاسبها التي هي مظنة التَّبِعات، المأخوذ بها صاحبها في دار الآخرة {إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} ؛ أي: إن كنتم من أهل العلم المكتسب من اللب الذي هو أصل كل فلاح، كما قال - صلى الله عليه وسلم:"أَفْلَحَ مَنْ رُزِقَ لُبًّا".
ثم بين سبحانه ما في تجارة الآخرة من الخيرات فقال: {يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} ؛ أي: بسبب الإيمان والجهاد.
{إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [سورة هود: 114] والتوبة إحدى الحسنات، وهي من أسباب الفلاح كما قال تعالى: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ
الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (31) [سورة النور: 31] ، والتوبة من الإيمان، ومن جهاد النفس - وهو من أعظم الجهاد - قال: {وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [سورة الصف: 12] .
وإنَّما طابت تلك المساكن بسبب خلوَّها من كدورات الدُّنيا من تعب ونَصَب ومرض وحزن ومَلال وقَتَر وغيرِ ذلك.
وأعظم شيءٍ طيَّبها جوار الله تعالى ورضوانه، وتَجلَّي وجهه لهم مع الخلود لأن العدن هو الإقامة.
ثمَّ قال: {ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} ؛ أي: دون ما تعدونه في الدنيا فوزاً من مكاسب ومغانم وغيرها؛ لانصرامه وفنائه، والفوز العظيم إنَّما هو ما كان من إقامة وخلود، كما قال تعالى: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [سورة النساء: 13] ؛ يعني: الجنة مع الخلود فيها.
وهو الفلاح؛ فإنَّ الفلاح هو البقاء في الخير، كما في"القاموس".