ومن ثَمَّ قال تعالى: {وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [سورة الحشر: 9] .
وقال الله تعالى مشوقاً إلى سعادة الآخرة، معبراً عنها بالتجارة التي هي سبيل أهل الدنيا إليها: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [سورة الصف: 10] .
وصف هذه التجارة بصفة فارقة بينها، وبين متاجر الدنيا بقوله: {تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [سورة الصف: 10] ؛ فإن تجارة الدنيا ليست كذلك، بل قد تكون سبباً للعذاب الأليم، وغاية ما فيها أن صاحبها إذا كان سعيداً خرج منها رأساً برأس، بخلاف هذه التجارة التي لا تَبِعَةَ فيها.
وروى ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في الآية: أنها لما نزلت قال المسلمون: لو علمنا هذه التجارة لأعطينا فيها الأموال والأهلين.
فبين لهم التجارة فقال: {تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ} [سورة الصف: 11] ، ولا تتحقق التجارة إلا ببائع ومشترٍ، فالبائع المؤمنون، والمشتري هو الله تعالى؛ بدليل قوله - عز وجل: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [سورة التوبة: 111] .