ونقله أبو بكر بن الأنباري في كتاب"الزاهر"عن جماعة من أهل اللغة، وقال: معنى {فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [سورة الحشر: 9: هم الباقون في الجنَّة.
ومنه قول الراجز: من المنسرح
لِكُلِّ هَمٍّ مِنَ الْهُمُوْمِ سَعَهْ ... وَالْمَسْي وَالصُّبْحُ لا فَلاحَ مَعَهْ
قال ابن الأنباري: أراد: لا بقاء ولا خلود.
ومن ثَمَّ جاء في دعاء النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم:"اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْألكَ صِحَّةً فِيْ إِيْمانٍ، وإيْمانًا فِيْ حُسْنِ خُلُقٍ، وَنَجاحاً يَتْبَعُهُ فَلاحٌ"، كما رواه الطبراني في"الأوسط".
النجاح: الظَّفَرُ بالخير.
والفلاح: البقاء فيه.
وكأن في هذه الآيات رداً على قول المتخلف المبطئ: {يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا} [سورة النساء: 73] ، كما قال الله تعالى: {وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا (72) وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا} [سورة النساء: 72، 73] فبيَّن الله تعالى بقوله، {ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [سورة الصف: 12] وقوله: {وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [سورة التوبة: 111] .
أنَّ الفوز إنَّما هو فوز الآخرة دون مغانم الدُّنيا ومكاسبها.
على أنَّ أهل الآخرة لا يحرمون من عاجل فضل الله تعالى، ولذلك
قال تعالى: {وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ} [سورة الصف: 13] ، وقال تعالى: {وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (19) وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ} [سورة الفتح: 19، 20] ؛ أي: علامة يعلمون بها أنَّهم من الله تعالى بمكان، كأنَّه يشير إلى أنَّه كما أنجز لهم ما وعدهم في الدُّنيا كذلك ينجز لهم موعود الآخرة.