يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلَوْ شَاءَ رَبُّكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ لَلَطَفَ بِكُمْ بِتَوْفِيَةٍ مِنْ عِنْدِهِ، فَصِرْتُمْ جَمِيعًا جَمَاعَةً وَاحِدَةً وَأَهْلَ مِلَّةٍ وَاحِدَةٍ لَا تَخْتَلِفُونَ وَلَا تَفْتَرِقُونَ، وَلَكِنَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ خَالَفَ بَيْنَكُمْ فَجَعَلَكُمْ أَهْلَ مِلَلٍ شَتَّى، بِأَنْ وَفَّقَ هَؤُلَاءِ لِلْإِيمَانِ بِهِ وَالْعَمَلِ بِطَاعَتِهِ فَكَانُوا مُؤْمِنِينَ، وَخَذَلَ هَؤُلَاءِ فَحَرَمَهُمْ تَوْفِيقَهُ فَكَانُوا كَافِرِينَ، وَلَيْسَأَلَنَّكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ فِي الدُّنْيَا فِيمَا أَمَرَكُمْ وَنَهَاكُمْ، ثُمَّ لَيُجَازِيَنَّكُمْ جَزَاءَ الْمُطِيعِ مِنْكُمْ بِطَاعَتِهِ، وَالْعَاصِي لَهُ بِمَعْصِيَتِهِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (94) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ بَيْنَكُمْ دَخَلًا وَخَدِيعَةً بَيْنَكُمْ، تَغُرُّونَ بِهَا النَّاسَ {فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا}
يَقُولُ: فَتَهْلِكُوا بَعْدَ أَنْ كُنْتُمْ مِنَ الْهَلَاكِ آمِنِينَ وَإِنَّمَا هَذَا مَثَلٌ لِكُلِّ مُبْتَلًى بَعْدَ عَافِيَةٍ، أَوْ سَاقِطٍ فِي وَرْطَةٍ بَعْدِ سَلَامَةٍ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ: «زَلَّتْ قَدَمُهُ» ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
[البحر الطويل]
سَيَمْنَعُ مِنْكَ السَّبْقُ إِنْ كُنْتَ سَابِقًا ... وَتُلْطَعُ إِنْ زَلَّتْ بِكَ النَّعْلَانِ
وَقَوْلُهُ: {وَتَذُوقُوا السُّوءَ}
يَقُولُ: وَتَذُوقُوا أَنْتُمُ السُّوءَ، وَذَلِكَ السُّوءُ هُوَ عَذَابُ اللَّهِ الَّذِي يُعَذِّبُ بِهِ أَهْلَ مَعَاصِيهِ فِي الدُّنْيَا، وَذَلِكَ بَعْضُ مَا عُذِّبَ بِهِ أَهْلُ الْكُفْرِ.
{بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ}
يَقُولُ: بِمَا فَتَنْتُمْ مَنْ أَرَادَ الْإِيمَانَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ عَنِ الْإِيمَانِ.