يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ نَاهِيًا عِبَادَهُ عَنْ نَقْضِ الْأَيْمَانِ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا، وَآمِرًا بِوَفَاءِ الْعُهُودِ، وَمُمَثِّلًا نَاقِضَ ذَلِكَ بِنَاقِضَةِ غَزْلِهَا مِنْ بَعْدَ إِبْرَامِهِ وَنَاكِثَتِهِ مِنْ بَعْدِ إِحْكَامِهِ: وَلَا تَكُونُوا أَيُّهَا النَّاسُ فِي نَقْضِكُمْ أَيْمَانَكُمْ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَإِعْطَائِكُمُ اللَّهَ بِالْوَفَاءِ بِذَلِكَ الْعُهُودَ وَالْمَوَاثِيقَ {كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ}
يَعْنِي: مِنْ بَعْدِ إِبْرَامٍ،
وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ يَقُولُ: الْقُوَّةُ: مَا غُزِلَ عَلَى طَاقَةٍ وَاحِدَةٍ وَلَمْ يُثَنَّ،
وَقِيلَ: إِنَّ الَّتِي كَانَتْ تَفْعَلُ ذَلِكَ امْرَأَةٌ حَمْقَاءُ مَعْرُوفَةٌ بِمَكَّةَ.
عَنِ السُّدِّيِّ، قَالَ: «هِيَ خَرْقَاءُ بِمَكَّةَ كَانَتْ إِذَا أَبْرَمَتْ غَزْلَهَا نَقَضَتْهُ» .
وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّمَا هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِمَنْ نَقْضَ الْعَهْدَ، فَشَبَّهَهُ بِامْرَأَةٍ تَفْعَلُ هَذَا الْفِعْلَ، وَقَالُوا فِي مَعْنَى نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ، نَحْوًا مِمَّا قُلْنَا.
عَنْ قَتَادَةَ:"فَلَوْ سَمِعْتُمْ بِامْرَأَةٍ نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ إِبْرَامِهِ لَقُلْتُمْ: مَا أَحْمَقَ هَذِهِ وَهَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِمَنْ نَكَثَ عَهْدَهُ"
عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ:"غَزْلَهَا: حَبْلَهَا تَنْقُضُهُ بَعْدَ إِبْرَامِهَا إِيَّاهُ وَلَا تَنْتَفِعُ بِهِ بَعْدُ"
وَقَوْلُهُ: {أَنْكَاثًا}
يَعْنِي: أَنْقَاضًا، وَكُلُّ شَيْءٍ نُقِضَ بَعْدَ الْفَتْلِ فَهُوَ أَنْكَاثٌ، وَاحِدُهَا: نِكْثٌ حَبْلًا كَانَ ذَلِكَ أَوْ غَزْلًا، يُقَالُ مِنْهُ: نَكَثَ فُلَانٌ هَذَا الْحَبْلَ فَهُوَ يَنْكُثُهُ نَكْثًا، وَالْحَبْلُ مُنْتَكِثٌ: إِذَا انْتَقَضَتْ قُوَاهُ وَإِنَّمَا عُنِيَ بِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ نَكْثُ الْعَهْدِ وَالْعَقْدِ.
وَقَوْلُهُ: {تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلَا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: تَجْعَلُونَ أَيْمَانَكُمُ الَّتِي تَحْلِفُونَ بِهَا عَلَى أَنَّكُمْ مُوفُونَ بِالْعَهْدِ لِمَنْ عَاقَدْتُمُوهُ {دَخَلَا بَيْنَكُمْ}