وقدم المنصور البصرة قبل الخلافة، فنزل بواصل بن عطاء وقال: بلغني أبيات عن سليم بن يزيد العدوي في العدل، فقم بنا إليه، فأشرف عليهم من غرفة، فقال لواصل من هذا الذي معك؟ قال: عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس رضي الله عنهم، فقال: رحب على رحب، وقرب على قرب، فقال: أنه يحب أن يسمع أبياتك في العدل، فقال: سمعا وطاعة، وأنشد يقول:
حتى متى لا نرى عدلا نسرّ به ... ولا نرى لولاة الحق أعوانا
مستمسكين بحق قائمين به ... إذا تلوّن أهل الجور ألوانا
يا للرجال لداء لا دواء له ... وقائد ذي عميّ يقتاد عميانا
فقال المنصور: وددت لو أني رأيت يوم عدل ثم مت.
وقيل: لما ولي عمر بن عبد العزيز أخذ في رد المظالم، فابتدأ بأهل بيته، فاجتمعوا إلى عمة له كان يكرمها وسألوها أن تكلمه، فقال لها: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم سلك طريقا، فلما قبض سلك أصحابه ذلك الطريق الذي سلكه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما قضي الأمر إلى معاوية جره يمينا وشمالا، وأيم الله لئن مدّ في عمري لأردنه إلى ذلك الطريق الذي سلكه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه. فقالت له: يا ابن أخي إني أخاف عليك منهم يوما عصيبا، فقال كل يوم أخافه دون يوم القيامة، فلا أمننيه الله.
وقال وهب بن منبه: إذا هم الوالي بالجور أو عمل به أدخل الله النقص في أهل مملكته في الأسواق والزروع والضروع وكل شيء، وإذا همّ بالخير والعدل أو عمل به أدخل الله البركة في أهل مملكته كذلك.
قال الوليد بن هشام: إن الرعية لتصلح بصلاح الوالي وتفسد بفساده.
وقال ابن عباس رضي الله عنهما: أن ملكا من الملوك خرج يسير في مملكته متنكرا، فنزل على رجل له بقرة تحلب قدر ثلاث بقرات، فتعجب الملك من ذلك وحدثته نفسه بأخذها، فلما كان من الغد حلبت له النصف مما حلبت بالأمس، فقال له الملك: ما بال حلبها نقص أرعت في غير مرعاها بالأمس؟ فقال: لا ولكن أظن أن ملكنا رآها أو وصله خبرها فهمّ بأخذها، فنقص لبنها، فإن الملك إذا ظلم أو همّ بالظلم ذهبت البركة. فتاب الملك وعاهد ربه في نفسه أن لا يأخذها ولا يحسد أحدا من الرعية، فلما كان من الغد حلبت عادتها.