وعرش، معناها هنا: هيَّأ، قال القرطبي: وأكثر ما يستعمل فيما يكون من إِتقان الأغصان والخشب وترتيب ظلالها. ومنه العريش الذي صنع لرسول الله صلى الله عليه وسلم: اهـ ويقول ابن العربي في هندسة النحل لبيوتها: ومن عجيب ما خلق الله في (النحل) أن ألهمها لاتخاذ بيوتها مسدسة، فبذلك اتصلت حتى صارت كالقطعة الواحدة وذلك أن الأشكال من المثلث إلى المعشر إذا جمع كل واحد منها إلى أمثاله لم يتصل وجاءَت بينها فرج إلا الشكل المسدس، فإنه إِذا جمع إِلى أَمثاله اتصل كأنه قطعة واحدة: اهـ من القرطبي.
69 - {ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ} :
أي وكلي أيتها النحلُ بعضا من كل الثمرات، وهو رحيق الأزهار التي هي أساس
لثمرات أو من الثمرات نفسها، ويقولون إنها قد تأكل من الأزهار المُرَّة، ويعود كل ذلك عسلا حلوا شهيا، وفي ذلك يقول المعرى:
والنحل يجنى المُرَّ مِنْ زَهْرِ الرُّبى ... فيعود شَهْدًا في طريق رُضَابِهِ
والأمر في قوله تعالى للنحل:"ثُمَّ كُلِى مِن كُلّ الثَّمراتِ"ليس على حقيقته، بل المقصود منه أنه - تعالى - يسَّر لها ما تشتهيه من الثمرات لتأكل منه، فتجد نفسها مجبولة على أن تتناول منها ما تريد كأنها مأمورة بذلك، لتحيى وتؤدى وظيفتها في الحياة، من إفراز العسل لغذاءِ الناس وشفائهم، ثم بيَّن الله أن سبلها إلى ذلك مذللة فقال سبحانه:
{فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا} : أي فاذهبي طائرة في طرق ربك التي توصلك إِلى الحدائق والبساتين فهي مفتوحة لك في جنبات السماء شرقًا وغربًا، شمالا وجنوبا، مسخرة لك، لا يمنعك عنها مانع فأَنت نافعة للزراعة، وجالبة للأرزاق، وكما ذلَّلها الله لك في الغداة وأنت ذاهبة إلى أرزاقك، ذللها لك في الأصيل وأنت عائدة إلى بيوتك لا تضلين سبلها، فسبحان الله {الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} .
وقيل في معنى الآية: فاسلكى ما أكلت من الأزهار والرحيق في مسالكه التي يتجول فيها بقدرة الله عسلا.
ثم اتجه الكلام من مخاطبة النحل إِلى الكلام مع الناس في عجائب صنع الله على سبيل الاستئناف، وذلك في قوله تعالى: