قلنا: قد دللنا على أن الجسم لا يكون متحركاً لذاته ، إذ لو كانت ذاته علة لهذا الجزء المخصوص من الحركة ، لبقي هذا الجزء من الحركة لبقاء ذاته ، ولو بقي ذلك الجزء من الحركة لامتنع حصول الجزء الآخر من الحركة ، ولو كان الأمر كذلك لكان هذا سكوناً لا حركة ، فالقول بأن الجسم المتحرك لذاته يوجب القول بكونه ساكناً لذاته وأنه محال ، وما أفضى ثبوته إلى نفيه كان باطلاً ، فعلمنا أن الجسم يمتنع كونه متحركاً لذاته ، وأيضاً فقد دللنا على أن الأجسام متماثلة في تمام الماهية ، فاختصاص جرم الشمس بالقوة المعينة والخاصية المعينة لا بد وأن يكون بتدبير الخالق المختار الحكيم.
إذا ثبت هذا فنقول: هب أن اختلاف أحوال الأظلال إنما كان لأجل حركات الشمس ، إلا أنا لما دللنا على أن محرك الشمس بالحركة الخاصة ليس إلا الله سبحانه كان هذا دليلاً على أن اختلاف أحوال الأظلال لم يقع إلا بتدبير الله تعالى وتخليقه ، فثبت أن المراد بهذا السجود الانقياد والتواضع ، ونظيره قوله: {والنجم والشجر يَسْجُدَانِ} [الرحمن: 6] وقوله: {وظلالهم بالغدو والأصال} [الرعد: 15] قد مر بيانه وشرحه.
والقول الثاني: في تفسير هذا السجود ، أن هذه الأظلال واقعة على الأرض ملتصقة بها على هيئة الساجد.
قال أبو العلاء المعري في صفة واد:
بحرف يطيل الجنح فيه سجوده.. وللأرض زي الراهب المتعبد
فلما كانت الأظلال تشبه بشكلها شكل الساجدين أطلق الله عليها هذا اللفظ ، وكان الحسن يقول: أما ظلك فسجد لربك ، وأما أنت فلا تسجد له بئسما صنعت ، وقال مجاهد: ظل الكافر يصلي وهو لا يصلي ، وقيل: ظل كل شيء يسجد لله سواء كان ذلك ساجداً أم لا.
واعلم أن الوجه الأول أقرب إلى الحقائق العقلية ، والثاني أقرب إلى الشبهات الظاهرة.
المسألة الخامسة: