بعد ذكر الدلائل الدّالة على وجود الإله القادر الحكيم، مع بيان أنواع نعم الله تعالى، ذكر الله تعالى خواص الألوهية: وهي الخلق والإبداع، وعلم السّرّ والعلن، والحياة الدائمة، مما يدلّ على أن العبادة لا تليق إلا بالمنعم الأعظم، ويدلّ على إبطال عبادة غير الله تعالى، ثم ذكر تعالى أسباب الإشراك: وهي تحجر القلوب وإنكار التوحيد، فبقي أصحابه على الجهل والضّلال، علما بأن أشدّ
القبح عبادة تلك الأصنام الجمادات المحضة، التي ليس لها فهم ولا قدرة ولا اختيار.
التفسير والبيان:
نبّه الله تعالى في هذه الآيات على عظمته، وأنه لا تنبغي العبادة إلا له، دون ما سواه من الأوثان التي لا تخلق شيئا، بل هي مخلوقة، فقال: أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ .. أي أفمن يخلق هذه الأشياء التي ذكرناها، كمن لا يخلق، بل لا يقدر على شيء من الخلق أصلا، أفلا تذكّرون أي تعتبرون وتتعظون؟! فإن معرفة ذلك لا تحتاج إلى تدبّر وتفكّر ونظر. والاستفهام إنكار عليهم ورميهم بالجهل وسوء التقدير. ونظير الآية: هذا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ [لقمان 31/ 11] .
ثم نبههم تعالى على كثرة نعمه وإحسانه إليهم ليرشدهم إلى أن العبادة لا تليق إلا بالمنعم الأعظم، فقال: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ .. أي وإن أردتم حساب نعم الله وضبطها، لا تستطيعوا إحصاءها وضبط عددها، فنعم الله كثيرة دائمة، والعقل عاجز عن الإحاطة بها.
إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ .. أي إنه تعالى كثير المغفرة يتجاوز عنكم وعن تقصيركم في الشّكر، رحيم بكم فينعم عليكم مع استحقاقكم للحرمان بسبب الإشراك والكفر، فلو طالبكم بشكر جميع نعمه، لعجزتم عن القيام بذلك، ولو عذّبكم لعذبكم وهو غير ظالم لكم، ولكنه غفور رحيم، يغفر الكثير، ويجازي على اليسير، ومهما عمل الإنسان من الطاعات فلن يقابل نعمة واحدة من نعم الله تعالى.
والخلاصة: إنه تعالى بعد أن بيّن بالآية المتقدّمة: أَفَمَنْ يَخْلُقُ .. أن
الاشتغال بعبادة غير الله باطل وخطأ، بيّن بهذه الآية: وَإِنْ تَعُدُّوا أن العبد لا يمكنه الإتيان بعبادة الله وشكر نعمه على وجه أتم.