وقوله «فألقوا السلم» بيان لما صار إليه هؤلاء المستكبرون من ذل وخضوع في الآخرة، بعد أن كانوا مغترين متجبرين في الدنيا.
وأصل الإلقاء يكون في الأجسام والمحسات فاستعير هنا لإظهار كمال الخضوع والطاعة، حيث شبهوا بمن ألقى سلاحه أمام الأقوى منه، بدون أية مقاومة أو حركة.
والمراد بالسلم: الاستسلام والاستكانة. أي: أنهم عند ما عاينوا الموت، وتجلت لهم الحقائق يوم القيامة، خضعوا واستكانوا واستسلموا وانقادوا، وقالوا: ما كنا في الدنيا نعمل عملا سيئا، توهما منهم أن هذا القول ينفعهم.
وقد حكى الله - تعالى - عنهم في آيات أخرى ما يشبه هذا القول، ومن ذلك قوله - تعالى: ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ.
وقوله - سبحانه - بَلى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ تكذيب لهم في دعواهم أنهم ما كانوا يعملون السوء لأن لفظ «بلى» لإبطال ما نفوه.
أي: بلى كنتم تعملون السوء، لأن الله - تعالى - لا تخفى عليه خافية من أعمالكم،
وسيجازيكم عنها بما تستحقون وهذا التكذيب لهم قد يكون من الملائكة بأمر الله - تعالى - وقد يكون من قبله - سبحانه -.
وقوله - سبحانه: فَادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها ... بيان لما انتهى إليه أمرهم من عذاب مهين.
وأبواب جهنم قد ذكر - سبحانه - عددها في قوله - تعالى: لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ.
أي: فادخلوا - أيها الكافرون - من أبواب جهنم، حالة كونكم خالدين فيها خلودا أبديا «فلبئس مثوى المتكبرين» أي فلبئس مقام المتعاظمين عن الإيمان بالله جهنم.
وبذلك نرى الآيات الكريمة. قد بينت بأسلوب مؤثر، مصير المستكبرين الذين وصفوا القرآن بأنه أساطير الأولين، والذين جادلوا المؤمنين بالباطل ليدحضوا به الحق. انتهى انتهى {التفسير الوسيط، لـ طنطاوي. 8/ 117 - 138} ...