ولقد يقال بعد هذا: ولكن هذا يكون في المرحلة الأولى. فإذا استقر المجتمع بعد ذلك؟ وهذا سؤال من لا يعرف طبيعة هذا الدين! إن هذا الدين يتحرك دائماً ولا يكف عن الحركة.. يتحرك لتحرير"الإنسان". كل الإنسان.. في"الأرض".. كل الأرض.. من العبودية لغير الله ؛ وليرفعه عن العبودية للطواغيت ؛ بلا حدود من الأرض أو الجنس أو القوم أو أي مقوم من المقومات البشرية الأرضية الهزيلة السخيفة!
وإذن فستظل الحركة التي هي طبيعة هذا الدين الأصيلة تميز أصحاب البلاء وأصحاب الكفايات والمواهب ؛ ولا تقف أبداً ليركد هذا المجتمع ويأسن إلا أن ينحرف عن الإسلام وسيظل الحكم الفقهي الخاص بتحريم تزكية النفس وطلب العمل على أساس هذه التزكية قائماً وعاملاً في محيطه الملائم.. ذات المحيط الذي نشأ أول مرة وعمل فيه.
ثم يقال: ولكن المجتمع حين يتسع لا يعرف الناس بعضهم بعضاً ؛ ويصبح الأكفاء الموهوبون في حاجة إلى الإعلان عن أنفسهم وتزكيتها وطلب العمل على أساس هذه التزكية!
وهذا القول كذلك وهم ناشئ من التأثر بواقع المجتمعات الجاهلية الحاضرة.. إن المجتمع المسلم يكون أهل كل محلة فيه متعارفين متواصلين متكافلين كما هي طبيعة التربية والتكوين والتوجيه ، والالتزام في المجتمع المسلم ومن ثم يكون أهل كل محلة عارفين بأصحاب الكفايات والمواهب فيهم ؛ موزونة هذه الكفايات والمواهب بموازين وقيم إيمانية ؛ فلا يعز عليهم أن ينتدبوا هم من بينهم أهل البلاء والتقوى والكفاية.. سواء لمجلس الشورى أو للشؤون المحلية. أما الإمارات العامة فيختار لها الإمام الذي اختارته الأمة بعد ترشيح أهل الحل والعقد أو أهل الشورى له.. يختار لها من بين مجموعة الرجال المختارين الذين ميزتهم الحركة. والحركة دائبة كما قلنا في المجتمع المسلم ، والجهاد ماض إلى يوم القيامة.