ولما كان التقدير ونرجع بها إليه بأخينا ، فيظهر له نصحنا وصدقنا {ونمير أهلنا} ، أي: نجلب إليهم الميرة برجوعنا إليه ، والميرة الأطعمة التي تحمل من بلد إلى بلد {ونحفظ أخانا} فلا يصيبه شيء مما تخشى عليه تأكيداً للوعد بحفظه {ونزداد كيل بعير} لأخينا {ذلك كيل يسير} ، أي: سهل على الملك لسخائه وحرصه على البذل ، وقيل: قصير المدّة ليس سبيل مثله أن تطول مدّته بحسب الحبس والتأخير ، وقيل قليل فابعث أخانا حتى نبدل تلك القلة بالكثرة ، فكأنه قيل: ما قال لهم؟ فقيل:
{قال} يعقوب عليه السلام: {لن أرسله} ، أي: بنيامين كائناً {معكم} ، أي: في وقت من الأوقات {حتى تؤتوني موثقاً} ، أي: عهد مؤكداً {من الله} قرأ ابن كثير بإثبات الياء بعد النون وقفاً ووصلاً ، وأبو عمرو بإثبات الياء وقفاً لا وصلاً ، وحذفها الباقون وقفاً ووصلاً ، وقوله {لتأتنني} ، أي: كلكم {به} أي: تحلفوا بالله لتأتنني به من الإتيان ، وهو المجيء في كل حال جواب القسم ، أو المعنى حتى تحلفوا بالله لتأتنني به {إلا} ، أي: في حال {أن يحاط} ، أي: تحصل الإحاطة بمصيبة من المصائب لاطاقة لكم بها {بكم} فتهلكوا من عند آخركم كل ذلك زيادة في التوثيق بما حصل له من المصيبة بيوسف عليه السلام ، وإن كان الاعتماد في حفظه إنما هو على الله تعالى ، وهذا من باب اعقلها وتوكل ، فأجابوه إلى ذلك كما قال تعالى {فلما آتوه موثقهم} بذلك {قال الله على ما نقول} نحن وأنتم {وكيل} ، أي: شهيد ، وأرسله معهم بعد ذلك.
فإن قيل: لم أرسله معهم وقد شاهد منهم ما شاهد في يوسف عليه السلام ؟
أجيب: بأن ذلك لوجوه: أحدها: أنهم كبروا ومالوا إلى الخير والصلاح ، الثاني: أنه كان شاهد أنه ليس بينهم وبين بنيامين من الحسد والحقد مثل ما كان بينهم وبين يوسف عليه السلام ، الثالث: لعل الله أوحى إليه وضمن حفظه وإيصاله إليه.