وقال مجاهد: كانا قد رأيا حين أدخل السجن رؤيا، فأتيا يوسف، فقال له الساقي: أيها العالم إني رأيت كأني في بستان، فإذا بأصل حَبَلَة حسنة فيها ثلاثة أغصان، عليها ثلاثة عناقيد من عنب فجنيتها، فكأن كأس الملك بيدي، فعصرتها فيه وسقيت الملك فشربه، فذلك قوله {إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا} قال أبو إسحاق: لم يقل إني أراني في النوم أعصر خمرًا، لأن الحال يدل على أنه ليس يرى نفسه في اليقظة يعصر خمرًا، قال ابن الأنباري: لأنه لو لم يقصد للنوم كان قوله (أعصر) مستغنى به عن {أَرَانِي} وقال غيرهما: قد دل على المنام قولهما {نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ} وذلك أنه لا يكون لما يرى في اليقظة تأويل.
وقوله تعالى: {أَعْصِرُ خَمْرًا} قال الليث: يقال: عصرت العنب وعصرته، إذا وليت عصره بنفسك، واعتصرت إذا عُصِرَ لك، والعصارة ما يحلب عن شيء بعصره، وذكر المفسرون وأهل المعاني في قوله: {أَعْصِرُ خَمْرًا} ثلاثة أقوال:
أحدها: أن يكون المعنى أعصر عنب خمر، أي العنب الذي يكون عصيره خمرًا، فحذف المضاف.
والثاني: أن العرب تسمي الشيء باسم ما يؤول إليه إذا انكشف المعنى ولم يلتبس، فيقولون: فلان يطبخ الآجُرّ، يعنون اللّبِن، فيوقعون بالفرع ما هو واقع بالأصل، ويقولون: هو يطبخ دبسًا، وهو يطبخ عصيرًا، هذا الذي ذكرنا قول الزجاج وابن الأنباري.
والقول الثالث: أن من العرب من يسمي العنب خمرًا، وأن قريشًا نطقت بهذه اللغة وعرفتها، فذكرها الله عز وجل في كتابه، قال الضحاك: نزل القرآن بكل لسان، والعنب بلغة بعضهم الخمر.
وقال الكلبي عن أبي صالح: أزد وعمان يسمون العنب الخمر، وحكى الأصمعي عن المعتمر أنه لقي أعرابيًا معه عنب، فقال: ما معك؟ قال: خمر.