وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِكَلَامِ الْعَرَبِ يَزْعُمُ أَنَّ لِقَوْلِهِمْ: «حَاشَى لِلَّهِ» ، مَوْضِعَيْنِ فِي الْكَلَامِ: أَحَدُهُمَا: التَّنْزِيهُ، وَالْآخَرُ: الِاسْتِثَنَاءُ، وَهُوَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ عِنْدَنَا بِمَعْنَى التَّنْزِيهِ لِلَّهِ، كَأَنَّهُ قِيلَ: مَعَاذَ اللَّهِ - وَأَمَّا الْقَوْلُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يُقَالُ لِلْقَارِئِ، فِي قِرَاءَتِهِ بِأَيِّ الْقِرَاءَتَيْنِ شَاءَ، إِنْ شَاءَ بِقِرَاءَةِ الْكُوفِيِّينَ، وَإِنْ شَاءَ بِقِرَاءَةِ الْبَصْرِيِّينَ، وَهُوَ: {حَاشَ لِلَّهِ} وَ «حَاشَى لِلَّهِ» لِأَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَشْهُورَتَانِ، وَلُغَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ بِمَعْنَى وَاحِدٍ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ فَلُغَاتٌ لَا تَجُوزُ الْقِرَاءَةُ بِهَا، لِأَنَّا لَا نَعْلَمُ قَارِئًا قَرَأَ بِهَا.
عَنْ مُجَاهِدٍ،" {وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ} قَالَ: مَعَاذَ اللَّهِ"
وَقَوْلُهُ: {مَا هَذَا بَشَرًا}
يَقُولُ: قُلْنَ مَا هَذَا بَشَرًا، لِأَنَّهُنَّ لَمْ يَرَيْنَ فِي حُسْنِ صُورَتِهِ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا، فَقُلْنَ: لَوْ كَانَ مِنَ الْبَشَرِ لَكَانَ كَبَعْضِ مَا رَأَيْنَا مِنْ صُورَةِ الْبَشَرِ، وَلَكِنَّهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ لَا مِنَ الْبَشَرِ.
وَبِهَذِهِ الْقِرَاءَةِ قَرَأَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ
وَقَدْ: حُدِّثْتُ [أن أَبا] الْحُوَيْرِثِ الْحَنَفِيِّ،"أَنَّهُ قَرَأَ: «مَا هَذَا بِشِرًى» : أَيْ مَا هَذَا بِمُشْتَرًي، يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنَّهُنَّ أَنْكَرْنَ أَنْ يَكُونَ مِثْلَهُ مُسْتَعْبَدًا يُشْتَرَى وَيُبَاعُ".
وَهَذِهِ الْقِرَاءَةُ لَا أَسْتَجِيزُ الْقِرَاءَةَ بِهَا لِإِجْمَاعِ قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ عَلَى خِلَافِهَا وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ مَا أَجْمَعَتْ عَلَيْهِ، فَغَيْرُ جَائِزٍ خِلَافُهَا فِيهِ.
وَأَمَّا نَصْبُ الْبَشَرَ، فَمِنْ لُغَةِ أَهْلِ الْحِجَازِ إِذَا أَسْقَطُوا الْبَاءَ مِنَ الْخَبَرِ نَصَبُوهُ، فَقَالُوا: مَا عَمْرٌو قَائِمًا.
وَأَمَّا أَهْلُ نَجْدٍ، فَإِنَّ مِنْ لُغَتِهِمْ رَفْعَهُ، يَقُولُونَ: مَا عَمْرٌو قَائِمٌ؛ وَمِنْهُ قَوْلُ بَعْضِهِمْ حَيْثُ يَقُولُ:
[البحر الطويل]
لَشَتَّانِ مَا أَنْوِي وَيَنْوِي بَنُو أَبِي ... جَمِيعًا، فَمَا هَذَانِ مُسْتَوَيَانِ
تَمَنَّوْا لِيَ الْمَوْتَ الَّذِي يَشْعَبُ الْفَتَى ... وَكُلُّ فَتًى وَالْمَوْتُ يَلْتَقِيَانِ
وَأَمَّا الْقُرْآنُ، فَجَاءَ بِالنَّصْبِ فِي كُلِّ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ نَزَلَ بِلُغَةِ أَهْلِ الْحِجَازِ
وَقَوْلُهُ: {إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ}