وهؤلاء هم المقربون الفائزون بقربه تعالى إذ لا يحول بينهم وبين ربهم شيء مما يقع عليه الحس أو يتعلق به الوهم أو تهواه النفس أو يلبسه الشيطان فان كل ما يترائى لهم ليس الا آية كاشفة عن الحق المتعال لا حجابا ساترا فيفيض عليهم ربهم علم اليقين ويكشف لهم عما عنده من الحقائق المستورة عن هذا الاعين المادية العمية بعد ما يرفع الستر فيما بينه وبينهم كما يشير إليه قوله تعالى:"كلا ان كتاب الأبرار لفى عليين وما إدراك ما عليون كتاب مرقوم يشهده المقربون"المطففين: 21 وقوله تعالى:"كلا لو تعلمون علم اليقين لترون الجحيم"التكاثر: 6 وقد تقدم كلام في هذا المعنى في ذيل قوله تعالى:"يا أيها الذين آمنوا عليكم انفسكم"المائدة: 105 في الجزء السادس من الكتاب .
وبالجملة هؤلاء في الحقيقة هم المتوكلون على الله المفوضون إليه الراضون بقضائه المسلمون لأمره إذ لا يرون الا خيرا ولا يشاهدون الا جميلا فيستقر في نفوسهم من الملكات الشريفة والاخلاق الكريمة ما يلائم هذا التوحيد فهم مخلصون لله في اخلاقهم كما كانوا مخلصين له في اعمالهم هذا معنى اخلاص العبد دينه لله قال تعالى:"هو الحي لا إله هو فادعوه مخلصين له الدين"المؤمن: 65 .
4 -وأما اخلاصه تعالى عبده له فهو ما يجده العبد في نفسه من الاخلاص له منسوبا
إليه تعالى فان العبد لا يملك من نفسه شيئا الا بالله والله سبحانه هو المالك لما ملكه اياه فاخلاصه دينه وان شئت فقل اخلاصه نفسه لله هو اخلاصه تعالى اياه لنفسه .