فتى واله في حبه وفتاة تائقة في غرامها اجتمعا في بيت خالية اما هي فمشغوفة بحب يوسف تريد ان تصرفه عن نفسه إلى نفسها وتتوسل إلى ذلك بتغليق الأبواب ومراودته عن نفسه والاعتماد على ما لها من العزة والملك حيث تدعوه إلى نفسها بلفظ الأمر"هيت لك"لتقهره
على ما تريده منه .
واما هو فقد استغرق في حب ربه وأخلص وصفى ذلك نفسه فلم يترك لشيء في قلبه محلا غير حبيبه فهو في خلوة مع ربه وحضرة منه يشاهد فيها جماله وجلاله وقد طارت الأسباب الكونية على ما لها من ظاهر التأثير من نظره فهو على خلافها لا يتبجح بالأسباب ولا يركن إلى الاعضاد .
ترى انها تتوسل عليه بالأسباب بتغليق الأبواب والمراودة والأمر بقولها هيت لك وأما هو فقد قابلها بقوله معاذ الله فلم يجبها بتهديد ولم يقل انى اخاف العزيز أو لا اخونه أو انى من بيت النبوة والطهارة أو ان عفتى أو عصمتي تمنعني من الفحشاء ولم يقل انى ارجو ثواب الله أو اخاف عذابه إلى غير ذلك ولو كان قلبه متعلقا بشيء من الأسباب الظاهرة لذكره وبدا به عند مفاجأة الشدة ونزول الاضطرار على ما هو مقتضى طبع الإنسان .
بل استمسك بعروة التوحيد واجاب بالعياذ بالله فحسب ولم يكن في قلبه أحد سوى ربه ولا تعدى بصره اياه إلى غيره فهذا هو التوحيد الخالص الذي هدته إليه المحبة الإلهية واولهه في ربه فانساه الأسباب كلها حتى انساه نفسه فلم يقل انى اعوذ منك بالله أو ما يؤدى معناه وإنما قال معاذ الله وكم من الفرق بين قوله هذا وبين قول مريم للروح لما تمثل لها بشرا سويا:"انى اعوذ بالرحمان منك ان كنت تقيا"مريم: 18 .