قالَتْ فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ تقول هذا معتذرة إليهن بأن هذا حقيق أن يحب لجماله وكماله، ولا يلام من يحب مثله، هذا منطقها، وهو منطق من لا يحجزها دين ولا عقل وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ أي بالغ في الامتناع والتحفظ، ولا يزال مستزيدا منهما، ثم قالت تتوعده وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ من إعطائي مرادي منه لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ أي من المذلين المهانين، مع السراق والسفاك والأباق في السجن، كما سرق قلبي وأبق مني وسفك دمي بالفراق، فلا يهنأ له ثم طعام أم شراب أو نوم، كما منعني هنا كل ذلك. ومن لم يرض بمثلي في الحرير على السرير أميرا، فليكن في السجن على الحصير حسيرا.
فلما سمع يوسف تهديدها قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ أي من ركوب المعصية أي الفاحشة، ولم قال يدعونني
والسياق لم يذكر غيرها يبدو أنه رأى رغبة الجميع به، وإجماع الجميع على أن عليه أن يرحم سيدته فيعطيها مرادها وهو منطق الناس إذا لم يكن إيمان وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ أي أميل إليهن، والصبوة: الميل إلى الهوى، ومنه الصبا لأن النفوس تصبو إليها لطيب نسيمها وروحها وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ أي من الذين لا يعملون بما يعلمون لأن من لا جدوى لعلمه فهو ومن لم يعلم سواء أو من السفهاء، وهكذا فزع إلى الله في طلب العصمة، مبينا أنه إن وكل إلى نفسه فليس له في محنة الجمال طاقة إن استمر الامتحان. واختار السجن على سعير امتحان الشهوة، فما أصعب هذا الامتحان، وما أكمل يوسف عليه السلام، إذ أنه مع شبابه وجماله وكماله تدعوه سيدته وهي امرأة عزيز مصر، وهي مع هذا في غاية الجمال والمال والرئاسة، ويمتنع من ذلك ويختار السجن على ذلك خوفا من الله ورجاء توبته.
فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ أي أجاب دعاءه فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ لدعوات الملتجئين إليه الْعَلِيمُ بكل حال