وقيل: إن قولها [ليكونا من الصاغرين إنما أتت به بدل قولها هناك: {عذاب أليم} [يوسف: 25] ذله بالقيد أو بالضرب أو بغير ذلك ، لكن يحتمل أنها أرادت بالذلوالعذاب الأليم ما يكون بالضرب بالسياط فقط أو ما يكون به أو بغيره ، أو أرادت بالذل ما يكون بالضرب وبالعذاب الأليم ما يكون به أو بغيره أو بالعكس ، وكيفما كان الأمر فما طلبته هنا أعظمم ما لوحت بطلبه هناك لمكان الواو هناو (أو) هناك ، ولعلها إنما بالغت في ذلك بمحضر من تلك النسوة لمزيد غيظها بظهور كذبها وصدقه وإصراره على عدم بلّ غليلها ، ولتعلم يوسف عليه السلام أنها ليست في أمرها على خيفة ولا خفية من أحد ، فيضيق عليه الحيل ويعيى به العللوينصحن له ويرشدنه إلى موافقتها فتدبر.
{قَالَ} استئناف بياني كأن سائلاً يقول: فماذا صنع يوسف حينئذ؟ فقيل: قال مناجياً لربه عز وجل: {رَبِّ السِّجْنُ} الذي وعدتني بالإلقاء فيه ، وهو اسم للمحبس.
وقرأ عثمان ومولاه طارق وزيد بن علي والزهري وابن أبي إسحاق وابن هرمز ويعقوب {السجن} بفتح السين على أنه مصدر سجنه أي حبسه ، وهو في القراءتين مبتدأ خبره ما بعده ، وقرأ {رب} بالضم و {السجن} بكسر السين والجر على الإضافة - فرب - حينئذ مبتدأ والخبر هو الخبر.
والمعنى على ما قيل: لقاء صاحب السجن أو مقاساة أمره {أَحَبُّ إلَيَّ} أي آثر عندي لأن فيه مشقة قليلة نافدة إثرها راحات كثيرة أبدية {ممَّا يَدْعُونَني إلَيْه} من مواتاتها التي تؤدي إلى الشقاوة والعذاب الأليم.
وصيغة التفضيل ليست على بابها إذ ليس له عليه السلام شائبة محبة لما يدعونه إليه وإنما هو والسجن شران أهونهما وأقربهما إلى الإيثار السجن.
والتعبير عن الإيثار بالمحبة لحسم مادة طمعها عن المساعدة لها على مطلوبها خوفاً من الحبس ، والاقتصار على السجن لكون الصغار من مستتبعاته على ما قيل.