وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَحَبَّةَ جِنْسٌ وَالْعِشْقَ نَوْعٌ فَإِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَبَاهُ وَابْنَهُ وَلا يَبْعَثُهُ ذَلِكَ عَلَى تَلَفِ نَفْسِهِ بِخَلافِ الْعَاشِقِ
وَقَدْ نُقِلَ أَنَّ بَعْضَ الْعُشَّاقِ نَظَرَ إِلَى جَارِيَةٍ كَانَ يَهْوَاهَا فَارْتَعَدَتْ فَرَائِصُهُ وَغُشِيَ عَلَيْهِ فَقِيلَ لِبَعْضِ الْحُكَمَاءِ مَا الَّذِي أَصَابَهُ فَقَالَ نَظَرٌ إِلَى مَنْ يُحِبُّهُ فَانْفَرَجَ قَلْبُهُ فَتَحَرَّكَ الْجِسْمُ لانْفِرَاجِ الْقَلْبِ
فَقِيلَ لَهُ نَحْنُ نُحِبُّ أَهَالِينَا وَلا يُصِيبُنَا ذَلِكَ فَقَالَ تِلْكَ مَحَبَّةُ الْعَقْلِ وَهَذِهِ مَحَبَّةُ الرُّوحِ.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ الْمُبَرِّدُ: سَمِعْتُ الْجَاحِظَ يَقُولُ كُلُّ عِشْقٍ يُسَمَّى حُبًّا وَلَيْسَ كُلُّ حُبٍّ يُسَمَّى عِشْقًا لأَنَّ الْعِشْقَ اسْمٌ لِمَا فَضَلَ عَنِ الْمَحَبَّةِ كَمَا أَنَّ السَّرْفَ اسْمٌ لِمَا جَاوَزَ الْجُودَ وَالْبُخْلَ اسْمٌ لِمَا نَقَصَ عَنِ الاقْتِصَادِ وَالْجُبْنُ اسْمٌ لِمَا فَضَلَ عَنْ شِدَّةِ الاحْتِرَاسِ وَالْهَوَجُ اسْمٌ لِمَا فَضَلَ عَنِ الشِّجَاعَةِ.
(حكاية)
وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو بَكْرِ بْنُ دَاوُدَ فِي كِتَابِ الزَّهْرَةِ حِكَايَةَ مَوْتِ عَفْرَاءَ مَبْسُوطَةً قَالَ لَمَّا انْصَرَفَ عُرْوَةُ بْنُ حُزَامٍ مِنْ عِنْدِ عَفْرَاءَ بِنْتِ عُقَالٍ فُتُوُفِّيَ وَحِيدًا مَرَّ بِهِ رَكْبٌ فَعَرَفُوهُ فَلَمَّا انْتَهَوْا إِلَى مَنْزِلِهَا صَاحَ بَعْضُهُمْ
أَلا أَيُّهَا الْقَصْرُ الْمُغَفَّلُ أَهْلَهُ ... بِحَقٍّ نَعَيْنَا عُرْوَةَ بْنَ حُزَامِ فَأَجَابَتْهُ فَقَالَتْ
أَلا أَيُّهَا الرَّكْبُ الْمَخْبُونُ وَيْحَكُمْ ... بِحَقٍّ نَعَيْتُمْ عُرْوَةَ بْنَ حُزَامِ
فَأَجَابُوهَا
نَعَمْ قَدْ تَرَكْنَاهُ بِأَرْضٍ بَعِيدَةٍ ... مُقِيمًا بِهَا فِي دَكْدَكٍ وَأَكَامِ
فَقَالَتْ لَهُمْ
فَإِنْ كَانَ حَقًّا مَا تَقُولُونَ فَاعْلَمُوا ... بِأَنْ قَدْ نَعَيْتُمْ نُورَ كُلِّ ظَلامِ
فَلا لَقِيَ الْفِتْيَانُ بَعْدَكَ لَذَّةً ... وَلا رَجَعُوا مِنْ غَيْبَةٍ بِسَلامِ
وَلا وَضَعَتْ أُنْثَى تَمَامًا بِمِثْلِهِ ... وَلا فَرِحَتْ مَنْ بَعْدِهِ بِغُلامِ
وَلا لَا بَلَغْتُمْ حَيْثُ وُجِّهْتُمْ لَهُ ... وَبُغِّضْتُمْ لَذَّاتِ كُلِّ طَعَامِ