(إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا) أَيْ إِنَّ فِي قِصَّتِهِمْ لَآيَاتٍ فِي الْوَقْتِ الَّذِي ابْتَدَءُوا فِيهِ بِقَوْلِهِمْ جَازِمِينَ مُقْسِمِينَ: لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ الشَّقِيقُ لَهُ وَاسْمُهُ (بِنْيَامِينَ) ، (أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا) كُلِّنَا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ أَيْ يُفَضِّلُهُمَا عَلَيْنَا بِمَزِيدِ الْمَحَبَّةِ عَلَى صِغَرِهِمَا وَقِلَّةِ غِنَائِهِمَا ، وَالْحَالُ أَنَّنَا نَحْنُ عُصْبَةُ عَشَرَةِ رِجَالٍ أَقْوِيَاءَ أَشِدَّاءَ مُعْتَصِبُونَ ، نَقُومُ لَهُ بِكُلِّ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ أَسْبَابِ الرِّزْقِ وَالْحِمَايَةِ وَالْكِفَايَةِ (إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) إِنَّهُ لَفِي تِيهٍ مِنَ الْمُحَابَاةِ لَهُمَا ضَلَّ فِيهِ طَرِيقَ الْعَدْلِ وَالْمُسَاوَاةِ ضَلَالًا بَيِّنًا لَا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ ، إِذْ يُفَضِّلُ غُلَامَيْنِ ضَعِيفَيْنِ مِنْ وَلَدِهِ لَا يَقُومَانِ لَهُ بِخِدْمَةٍ نَافِعَةٍ ، عَلَى الْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ وَالْكَسْبِ وَالنَّجْدَةِ .
وَهَذَا الْحُكْمُ مِنْهُمْ عَلَى أَبِيهِمْ جَهْلٌ مُبِينٌ وَخَطَأٌ كَبِيرٌ ، لَعَلَّ سَبَبَهُ اتِّهَامُهُمْ إِيَّاهُ بِإِفْرَاطِهِ فِي حُبِّ أُمِّهِمَا مِنْ قَبْلُ ، فَيَكُونُ مَثَارُهُ الْأَوَّلُ اخْتِلَافَ
الْأُمَّهَاتِ بِتَعَدُّدِ الزَّوْجَاتِ وَلَا سِيَّمَا الْإِمَاءُ مِنْهُنَّ ، وَهُوَ الَّذِي أَضَلَّهُمْ عَنْ غَرِيزَةِ الْوَالِدَيْنِ فِي زِيَادَةِ الْعَطْفِ عَلَى صِغَارِ الْأَوْلَادِ وَضِعَافِهِمْ
وَكَانَا أَصْغَرَ أَوْلَادِهِ ، فَقَدْ سُئِلَ وَالِدٌ بَلِيغٌ: أَيُّ وَلَدِكَ أَحَبُّ إِلَيْكَ ؟ قَالَ: صَغِيرُهُمْ حَتَّى يَكْبُرَ ، وَغَائِبُهُمْ حَتَّى يَحْضُرَ ، وَمَرِيضُهُمْ حَتَّى يُشْفَى ، وَفَقِيرُهُمْ حَتَّى يُغْنَى (وَأَشُكُّ فِي هَذِهِ الْأَخِيرَةِ) .