ويستمر عَرْض ما جاء على لسان إخوة يوسف: {أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَداً ...} .
ولأنهم كانوا يخرجون للرعي والعمل ؛ لذلك كان يجب أن يأتوا بعِلَّة ليأذن لهم أبوهم بخروج يوسف معهم ، ويوسف في أوان الطفولة ؛ واللعب بالنسبة له أمر مُحبَّب ومسموح به ؛ لأنه ما زال تحت سن التكليف ، واللعب هو الشغل المباح لقصد انشراح النفس .
ويُفضِّل الشرع أن يكون اللعب في مجال قد يطلبه الجدُّ مستقبلاً ؛ كأن يتعلمَ الطفلُ السباحةَ ، أو المصارعة ، أو إصابة الهدف ؛ وهي الرماية وهكذا نفهم معنى اللعب: إنه شُغُل لا يُلهِي عن واجب ، أما اللهو فهو شغُلُ يُلهِي عن واجب .
وهناك بعضٌ من الألعاب يمارسها الناس ؛ ويجلسون معاً ؛ ثم يُؤذِّن المؤذن ؛ ويأخذهم الحديث ؛ ولا يلتفون إلى إقامة الصلاة في ميعادها ؛ وهكذا يأخذهم اللهو عن الضرورة ؛ أما لو التفتوا إلى إقامة الصلاة: لَصَار الأمر مجرد تسلية لا ضرر منها .
ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {قَالَ إِنِّي ليحزنني . .} .
وكلام الأب هنا لا بُدَّ أن يغيظهم فهو دليل المحبة الفائقة إلى الدرجة التي يخاف فيها من فِراق يوسف لِقلَّة صبره عنه ، وشدة رعايته له ؛ ثم جاء لهم بالحكاية الأخرى ، وهي:
{وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذئب وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ} [يوسف: 13] وقال بعض الناس: لقد علَّمهم يعقوب الكذبة ؛ ولولا ذلك ما عرفوا أن يكذبوها .
ونلحظ أن يعقوب جعل للأخوة لَحْظاً ؛ فلم يقل:"أخاف أن يأكله الذئب وأنتم قاعدون"بل قال:
{وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذئب وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ} [يوسف: 13] .
وهذا ليُربِّي فيهم مواجيد الأخوة التي تفترض ألاَّ يتصرفوا مع أخيهم بشرّ ؛ ولا أن يتصرف غيرهم معه بشرّ إلا إذا غفلوا عن أخيهم .
ونلحظ في ردِّهم عجزَهم عن أنْ يردوا على قوله:
{قَالَ إِنِّي ليحزنني أَن تَذْهَبُواْ بِهِ . .} [يوسف: 13] .