فهذا الحب من يعقوب ليوسف هو الذي دفعهم إلى الحقد على يوسف ، ورَدُّوا فقط على خوفه من أنْ يأكله الذئب ، وجاء القرآن بما قالوه: {قَالُواْ لَئِنْ أَكَلَهُ ...} .
وهنا يكشف لنا الحق سبحانه محاولاتهم لطمأنة أبيهم ؛ كي يأذن في خروج يوسف معهم ؛ ولهذا استنكروا أن يأكله الذئب وهم مُحِيطون به كعُصْبة ، وأعلنوا أنه إنْ حدث ذلك فهم سيخسرون كرامتهم أمام أنفسهم وأمام قومهم ، وهم لا يقبلون على أنفسهم هذا الهوان .
ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ ...} .
وقول الحق: {وأجمعوا أَن يَجْعَلُوهُ فِي غيابت الجب ...} [يوسف: 15] يدلنا على أن تلك المسألة أخذتْ منهم مناقشة ، فيها أَخْذٌ ورَدٌّ ، إلى أن استقروا عليها .
وألهم الحق سبحانه يوسف عليه السلام بما سوف يفعلونه ، والوحي كما نعلم هو إعلام بخفاء .
وسوف يأتي في القصة أن يوسف عليه السلام بعد أن تولى الوزارة في مصر ودخلوا عليه أمسك بقدح ونقر عليه بأصابعه ، وقال لهم: اسمعوا ما يقوله القدح ؛ إنه يقول: إن لكم أخاً وقد فعلتم به كذا وكذا .
وبعض المفسرين قال: إن الحق سبحانه أوحى له ، ولم يَلْحَظ إخوته هذا الوحي .
ونقول: إن الوَحْي إعلام بخفاء ، ولا يمكن أن يشعر به غير المُوحَى إليه ، وعلى ذلك نرى أنهم لم يعلموا هذا الأمر إلا بعد أن تولى يوسف مقاليد الوزارة في مصر ؛ بل إنهم لم يعرفوا أن يوسف أخوهم ؛ لأنهم قالوا له لحظتها: {إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ} [يوسف: 77] .
والمقصود بالوحي في هذه الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها هو إيناس الوَحْشة ؛ وهو وارد إلهي لا يرده وارد الشيطان ؛ والإلهام وارد بالنسبة لمَنْ هم غير أنبياء ؛ مثلما أوضحنا الأمر الذي حدث مع أم موسى حين أوحى لها الله أن تلقيه في اليم .