قال محمد رشيد رضا: {فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ} أي: أنسى الساقي تذكر ربه، وهو أن يذكر يوسف عنده على حد: {وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ} [الكهف: 63] ، {فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ} منسيًا مظلومًا، والفاء على هذا للسببية، وهو المتبادر من السياق والجاري على نظام الأسباب، ويؤيده قوله تعالى الآتي قريبًا: {وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ} أي: تَذَكَّرَ، إلا أن هذا الاستعمال يحتاج إلى حذف وتقدير، ووجهوه بأنه أضاف المصدر إليه لملابسته له، وأنه على تقديرك: (ذكر إخبار ربه) من حذف المضاف وهو كثير، كما أن الإضافة لأدنى ملابسة كثير في كلامهم.
وقيل: إن المعنى: أن أنسى يوسف - عليه السلام - ذكر ربه وهو الله - عز وجل -، فعاقبه الله تعالى بإبقائه في السجن بضع سنين. وقالوا: إن ذنبه الذي استحق عليه هذا العقاب أنه توسل إلى الملك لإخراجه ولم يتوكل على الله - عز وجل -، وجاءوا عليه بروايات لا يقبل في مثلها إلا الصحيح المرفوع أو المتواتر منه؛ لأنها تتضمن الطعن في نبي مرسل، وهو خلاف الظاهر من وجوه:
الأول: عطف الإنساء على ما قاله للساقي بالفاء يدل على وقوعه عقبه، ومفهومه أنه كان ذاكرًا لله تعالى قبله إلى أن قاله، فلو كان قوله ذنبًا عوقب عليه لوجب أن يعطف عليه بجملة حالية بأن يقال: وقد أنساه الشيطان ذكر ربه؛ أي: في تلك الحال، فلم يذكره بقلبه ولا بلسانه فاستحق عقابه تعالى بإطالة مكثه على خلاف ما أراده من ملك مصر وحده.
الثاني: أن اللائق بمقامه أن لا يقول ذلك القول إلا من باب مراعاة سنة الله تعالى في الأسباب والمسببات كما وقع بالفعل، فإنه ما خرج من السجن إلا بأمر الملك، وما أمر الملكُ بإخراجه إلا بعد أن أخبره الساقي بخبره، وما آتاه ربه من العلم بتأويل الرؤى وبغير ذلك مما وصاه به يوسف، فإذا كان قد وصاه بذلك ملاحظًا أنه من سنن الله في عباده متذكرًا ذلك وهو اللائق به؛ فلا يعقل أن يعاقبه ربه - تعالى - عليه، وعطفُ الإنساء بالفاء يدل على وقوعه بعد تلك الوصية، فلا تكون هي ذنبًا ولا مقترنة بذنب فيستحق عليها العقاب.