في هذ النّص من الائتلاف جمع اللّفظ الغريب مع اللّفظ الغريب، وبيانُه"الْحَرَضَ"في اللّغة هو الّذِي أضناه الحزْنُ والعشقُ، فهو به شديد المرض، وهذا اللّفظ من الألفاظ الغريبة، وكان من فنيّةِ جمع الغريب مع الغريب اختيار أغرب ألفاظ القسم، وهي"التاء"فإنّها أقَلُّ استعمالاً وأبْعَدُ عن أفْهَام العامة من القسم، بحرف"الباء"أو حرف"الواو"، واختيار أغرب صِيغ الأفْعال التي ترفع الاسم وتنصِبُ الخبر من أخوات"كان"وهو فعل"تفتأ"وكان من الممكن اختيار فعل:"ما تزال"فهو أقرب إلى الأفهام، وأكثر استعمالاً من فعل:"ما تَفْتَأ"وهو بحذف"ما"منه أشدّ غرابة.
وهكذا رأينا أن من حُسْن الاختيار في نظم الكلام اختيارَ الألفاظ المتلائمة في الغرابة، توخّياً لحسن الجوار كما يُجْمَعُ في الحفل من الناس كلّ صنف من صنفه.
{قَالَ لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليوم يَغْفِرُ الله لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الراحمين (92) }
قول الله عزَّ وجلَّ في سورة يوسف حكاية لما قال يوسف عليه السلام لإِخوته: {قَالَ لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليوم يَغْفِرُ الله لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الراحمين} .
يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ: المعنى الأصلي الذي تدلُّ عليه الصيغة الإِخبار، وقد استعملت مجازاً في الدعاء، والعلاقة السببيّة على سبيل التفاؤل والطمع بكرم الله وفضله، إذ الدعاء الذي هو إنشاء طلب من الله سبب في تحقيق الاستجابة بمشيئة الله على سبيل التفاؤل والرجاء.
ونظيره قول الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بشأن المتحلّلين من إحرامهم بالحلْق أو التقصير على ما روى الإِمام أحمد بسنده إلى يحيى بن حُصَيْن، قال: سَمِعْتُ جَدَّتي تقول: سمعتُ نبيّ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعرفات يخطُبُ يقول:
"غَفَرَ اللَّهُ لِلْمُحَلِّقِين، غَفَرَ اللَّهُ لِلْمُحَلِّقين، غَفَرَ اللَّهُ لِلْمُحَلِّقِين".
قالوا: والمقصّرين؟
فقال:"والمقصّرينَ"في الرابعة.
الصيغة صيغة إخبار، وقد استُعْمِلَتْ في الدّعاء.
والغرض البياني الرجاء والتفاؤل بتَحقيق المدعوّ به.
{وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ (94) قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ (95) }
(أقسام التورية)
تنقسم التورية إلى ثلاثة أقسام: مجرّدة ومرشحة، ومبيَّنة.