وذكر الجمل: ضمن لطيف معنى (مدبر) فعدّاه باللام - واللطيف هنا العالم بخفايا الأمور والمدبر لها.
وقال ابن الأثير: اللطيف الذي اجتمع له الرفق في الفعل والعلم بدقائق المصالح.
أقول: لعل تضمين (اللطيف) معنى (المدبر) يتجافى عنه السياق، إذ لسنا في مقام التدبير والتقدير والتصوير والإبداع ... ولكنا على بساط الود والرفق والإحسان والرحمة.
ولعل تضمينه معنى (الودود) والمتعدي باللام، وما في الود من الحب والرحمة ما يستنيم إليه السياق وتستريح إليه النفس، فهو سبحانه ودود، جواد، مُنعم، متفضل، ... ويوسف عليه السلام وقد مسه الإحسان ولصق به (وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ) ولم يقل من الْجُبِّ لئلا يجرح مشاعر أخوته، يناله اللطف بالود له والرحمة والسعة في العيش والعز في السلطان واليقظة في القلب والسماحة في الخلق، فلا سلطان للشيطان عليه كما تسلط على إخوته فنزغ بينهم.
ومن وراء اللطيف الودود يأتي التدبير والتقدير والحكمة (إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) فيشمله بحكمته وتدبيره ويرعاه في كل مراحل حياته. وهكذا يغيب عنه في فرحة اللقاء بأهله الملك والسلطان والأهل والإخوان ليبقى قلبه وقد مسه اللطف موصولا بخالق الأكوان.
ويذكر النعم على إخوته (وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ) فينطلق لسانه - بما يحس به قلبه من لطف اللَّه الخفي له ولأهله - في تسبيح مولاه فيلهج بالدعاء أن يحفظ له دينه حتى يتوفاه، وأن يلحقه بالصالحين من عباده.
ثم إن العلاقة بين اللطيف والودود - المضمّن والمضمّن فيه - ذَوْب روحٍ يتندَّى من الرفيق الأعلى، ومن دونهما وشائج الإيناس، وحبال المودة والرحمة تبسط له ما شاء وما يشاء. انتهى انتهى {التضمين النحوي في القرآن الكريم، للدكتور/ محمد نديم فاضل} ...