أخرج الطبراني وأبو الشيخ عن جرير بن عبد الله قال لما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهلها ينصف بعضهم بعضا - وذلك لفرط رحمة ومسامحة في حقوقه ولذلك قدم الفقهاء عند تزاحم الحقوق حقوق العباد - ومن هاهنا قيل الملك يبقى مع الكفر ولا يبقى مع الظلم -
وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ كلهم أُمَّةً واحِدَةً مسلمين صالحين وهو دليل ظاهر على ان الأمر غير الارادة - وانه تعالى لم يرد الإيمان من كل واحد وان ما أراد يجب وقوعه وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) عن الحق تاركيه إلى الباطل على أنحاء شتى - فمنهم يهودى ونصرانى ومجوسى ووثنى - ومنهم جبرى
وقدرى وروافض وخوارج وغير ذلك
إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ هداهم الله من فضله إلى صراط مستقيم - فهم متفقون على اصول العقائد الصحيحة وامتثال أوامر الله والانتهاء عن المناهي - عن ابن مسعود قال خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا مستقيما - ثم قال هذا سبيل الله ثم خط خطوطا عن يمينه عن شماله وقال هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه - وقرا وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ
رواه أحمد والنسائي والدارمي وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك يعني للرحمة خلقهم - فالضمير راجع إلى من رحمهم والإشارة إلى الرحمة - وقال الحسن وعطاء وللاختلاف خلقهم - قال اشهب سالت مالكا عن هذه الآية - فقال خلقهم ليكون فريق في الجنة وفريق في السعير - وقال أبو عبيدة الّذي اختاره قول من قال خلق فريقا لرحمته وفريقا لعذابه وقال الفراء خلق أهل الرحمة للرحمة واهل الاختلاف للاختلاف - فالضمير راجع إلى الناس والإشارة إلى الاختلاف والرحمة جميعا - واللام للمعاقبة ويؤيد هذا التأويل قوله تعالى وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ أي حكم ربك القديم أو قوله للملائكة لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أي عصاتهما أَجْمَعِينَ (119) أو المعنى منهما جميعا لا من أحدهما -