قال تعالى بعده: {وكذلك} ، أي: ومثل ذلك الأخذ العظيم {أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي} ، أي: القرى {ظالمة} والمراد أهلها ونظيره قوله تعالى: {وكما أهلكنا من قرية بطرت معيشتها} (القصص ،) وقوله تعالى: {وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة} (الأنبياء ،) فبين تعالى أنّ عذابه ليس مقصوراً على من تقدّم ، بل الحال في أخذ كل الظالمين يكون كذلك. ولما بيّن تعالى كيفية أخذ الأمم المتقدّمة ، ثم بين تعالى أنه إنما يأخذ جميع الظالمين على ذلك الوجه أتبعه بما يزيده تأكيداً وتقوية بقوله تعالى: {إنّ أخذه أليم} ، أي: مؤلم {شديد} ، أي: صعب مفتت القوى. وعن أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إنّ الله تعالى ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته". ثم قرأ {وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إنّ أخذه أليم شديد} "وفي هذه الآية الكريمة والحديث الشريف دلالة على أن من أقدم على ظلم فإنه يتداركه بالتوبة والإنابة وردّ الحقوق إلى أهلها ، إن كان الظلم للغير لئلا يقع في هذا الوعيد العظيم والعذاب الشديد ، ولا يظنّ أنّ هذه الآية مختصة بظالمي الأمم الماضية بل هي عامّة في كل ظالم ويعضده الحديث."
{إنّ في ذلك} ، أي: ما ذكر من عذاب الأمم الماضية وإهلاكهم {لآية} ، أي: لعبرة وموعظة {لمن خاف عذاب} يوم الحياة {الآخرة} لأنه ينظر ما أحلّ الله تعالى بالمجرمين في الدنيا وما هو إلا أنموذج لما أعد لهم في الآخرة ، فإذا رأى عظمه وشدّته اعتبر به عظم العذاب الموعود فيكون له عبرة وعظة ولطفاً في زيادة التقوى والخشية من الله تعالى ، وقوله: {ذلك} إشارة إلى يوم القيامة ؛ لأنّ عذاب الآخرة دل عليه {يوم مجموع له} ، أي: فيه {الناس} ، أي: إنّ خلق الأوّلين والآخرين كلهم يحشرون في ذلك اليوم ويجمعون ، ثم وصفه تعالى بوصف آخر بقوله تعالى: {وذلك يوم مشهود} ، أي: يشهده أهل السماوات وأهل الأرض.