الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: الْمُرَادُ مِنَ الْآيَةِ أَحَدُ أَمْرَيْنِ: إِمَّا بَيَانُ أَنَّ الرَّسُولَ إِذَا بُعِثَ إِلَى كُلِّ أُمَّةٍ فَإِنَّهُ بِالتَّبْلِيغِ وَإِقَامَةِ الْحُجَّةِ يُزِيحُ كُلَّ عِلَّةٍ فَلَا يَبْقَى لَهُمْ عُذْرٌ فِي مُخَالَفَتِهِ أَوْ تَكْذِيبِهِ، فَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مَا يَجْرِي عَلَيْهِمْ مِنَ الْعَذَابِ فِي الْآخِرَةِ يَكُونُ عَدْلًا وَلَا يَكُونُ ظُلْمًا، لِأَنَّهُمْ مِنْ قِبَلِ أَنْفُسِهِمْ وَقَعُوا فِي ذَلِكَ الْعِقَابِ، أَوْ يَكُونُ الْمُرَادُ أَنَّ الْقَوْمَ إِذَا اجْتَمَعُوا فِي الْآخِرَةِ جَمَعَ اللَّه بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَسُولِهِمْ فِي وَقْتِ الْمُحَاسَبَةِ، وَبَانَ الْفَصْلُ بَيْنَ الْمُطِيعِ وَالْعَاصِي لِيَشْهَدَ عَلَيْهِمْ بِمَا شَاهَدَ مِنْهُمْ، وَلِيَقَعَ مِنْهُمُ الِاعْتِرَافُ بِأَنَّهُ بَلَّغَ رِسَالَاتِ رَبِّهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ جُمْلَةِ مَا يُؤَكِّدُ اللَّه بِهِ الزَّجْرَ فِي الدُّنْيَا كَالْمُسَاءَلَةِ، وَإِنْطَاقِ الْجَوَارِحِ، وَالشَّهَادَةِ عَلَيْهِمْ بِأَعْمَالِهِمْ وَالْمَوَازِينِ وَغَيْرِهَا، وَتَمَامُ التَّقْرِيرِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ الثَّانِي أَنَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ فِي الْآيَةِ الْأُولَى أَنَّ اللَّه شَهِيدٌ عَلَيْهِمْ، فَكَأَنَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: أَنَا شَهِيدٌ عَلَيْهِمْ وَعَلَى أَعْمَالِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنِّي أُحْضِرُ فِي مَوْقِفِ الْقِيَامَةِ مَعَ كُلِّ قَوْمٍ رَسُولَهُمْ، حَتَّى يَشْهَدَ عَلَيْهِمْ بِتِلْكَ الْأَعْمَالِ وَالْمُرَادُ مِنْهُ الْمُبَالَغَةُ فِي إِظْهَارِ الْعَدْلِ.