الْوَجْهُ الْأَوَّلُ: أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهُمْ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ يُوَبِّخُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَيَقُولُ: كُلُّ فَرِيقٍ لِلْآخَرِ أَنْتَ أَضْلَلْتَنِي يَوْمَ كَذَا وَزَيَّنْتَ لِيَ الْفِعْلَ الْفُلَانِيَّ مِنَ الْقَبَائِحِ، فَهَذَا تَعَارُفُ تَقْبِيحٍ وَتَعْنِيفٍ وَتَبَاعُدٍ وَتَقَاطُعٍ لَا تَعَارُفُ عطف وشفقة.
وأما قوله تَعَالَى: (وَلا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا) فَالْمُرَادُ سُؤَالُ الرَّحْمَةِ وَالْعَطْفِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: فِي الْجَوَابِ حَمْلُ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ عَلَى حَالَتَيْنِ، وَهُوَ أَنَّهُمْ يَتَعَارَفُونَ إِذَا بُعِثُوا ثُمَّ تَنْقَطِعُ الْمَعْرِفَةُ فَلِذَلِكَ لَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا.
(وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ(47)
اعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا بَيَّنَ حَالَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ قَوْمِهِ، بَيَّنَ أَنَّ حَالَ كُلِّ الْأَنْبِيَاءِ مَعَ أَقْوَامِهِمْ كَذَلِكَ، وَفِي الْآيَةِ مَسَائِلُ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: هَذِهِ الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ جَمَاعَةٍ مِمَّنْ تَقَدَّمَ قَدْ بَعَثَ اللَّه إِلَيْهِمْ رَسُولًا واللَّه تَعَالَى مَا أَهْمَلَ أُمَّةً مِنَ الْأُمَمِ قَطُّ، وَيَتَأَكَّدُ هَذَا بِقوله تَعَالَى: (وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ) [فَاطِرٍ: 24] .
«فَإِنْ قِيلَ» : كَيْفَ يَصِحُّ هَذَا مَعَ مَا يَعْلَمُهُ مِنْ أَحْوَالِ الْفَتْرَةِ وَمَعَ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: (لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آباؤُهُمْ) [يس: 6] ؟
قُلْنَا: الدَّلِيلُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ لَا يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ الرَّسُولُ حَاضِرًا مَعَ الْقَوْمِ، لِأَنَّ تَقَدُّمَ الرَّسُولِ لَا يَمْنَعُ مِنْ كَوْنِهِ رَسُولًا إِلَيْهِمْ، كَمَا لَا يَمْنَعُ تَقَدُّمُ رَسُولِنَا مَنْ كَوْنِهِ مَبْعُوثًا إِلَيْنَا إِلَى آخِرِ الْأَبَدِ وَتُحْمَلُ الْفَتْرَةُ عَلَى ضَعْفِ دَعْوَةِ الْأَنْبِيَاءِ وَوُقُوعِ مُوجِبَاتِ التَّخْلِيطِ فِيهَا.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: فِي الْكَلَامِ إِضْمَارٌ وَالتَّقْدِيرُ: فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ وَبَلَّغَ فَكَذَّبَهُ قَوْمٌ وَصَدَّقَهُ آخَرُونَ قَضَى بَيْنَهُمْ أَيْ حَكَمَ وَفَصَلَ.