وجوابنا أن المراد أنعمت عليهم بهذه النعم فسيروها سببا لضلالتهم فمعنى قوله (لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ) أن عاقبتهم ذلك كقوله (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً) وأما قوله تعالى (رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ) فهو دعاء عليهم وقد ضلوا ويجوز أن يدعى على من قد ضل وكفر بضروب العقاب ويجوز أنه يدعو عليهم بالاخترام والاماتة الذين معهما لا يؤمنون حتى يروا العذاب الاليم في الآخرة لأنه من المعلوم أنه لا يؤمن أبدا كلما عجل اخترامه يكون عقابه أخف وبين تعالى بقوله (حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ) ثمّ قال (آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ) أن الإيمان مع الالجاء لا ينفع وإنما ينفع والمرء متمكن من اختيار الطاعة والمعصية وداعيته مترددة بين الامرين.
[مسألة]
وربما قيل في قوله تعالى (فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جاءَهُمُ الْعِلْمُ) كيف يصح في العلم أن يكون سببا للاختلاف والقول الباطل.
وجوابنا أن المراد بذلك انهم اختلفوا وقد أقام الحجة وأوضح الطريق لهم على جهة الندم لهم، ولذلك قال بعده (إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ)
(الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) .
[مسألة]
وربما قيل كيف يجوز أن يقول تعالى لنبيه صلّى الله عليه وسلم (فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ) ومعلوم ان الشك في ذلك لا يجوز عليه. وجوابنا انه تعالى ذكره والمراد من شك في ذلك على وجه الزجر أو قال ذلك لأهل الكتاب الذين يجوز أن يسألهم غيرهم عما في الكتب من تصديق محمد صلّى الله عليه وسلم.
[مسألة]