قال: وأصاب رجل من بني إسرائيل ذنبا فحزن عليه، وجعل يجيء ويذهب، ويقول: بم أرضي ربي؟ بم أرضي ربي؟ فكُتِب صديقاً.
وروى أبو نعيم عن مالك بن دينار رحمه الله تعالى قال: أجد في بعض الكتب: سبحوا الله أيها الصديقون بأصوات حزينة.
وعنه - أيضًا - أنه قال: لا يبلغ الرجل منزلة الصديقين حتى يترك
زوجته كأنَّها أرملة، ويأوي إلى مزابل الكلاب.
قلت: أراد بذلك تجرد القلب عن العلائق وذلة النفس؛ فإن ذلك روحُ ما ذكره.
وكذلك ما رواه الختلي عن رشدين بن سعد رحمه الله تعالى قال: قرأت في بعض الكتب: لا ينبغي لصديق أن يكون صاحب حانوت.
وهذا لا ينافيه ما رواه الترمذي وحسَّنه، عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"التَّاجِرُ الصَّدُوْقُ الأَمِيْنُ مَعَ النَّبِيينَ والصديقين] والشُّهَدَاءِ"؛ لأنَّ المراد بقوله:"صاحب حانوت"أن لا يكون قلبه متعلقا به راكنا إليه؛ بدليل قوله تعالى: {رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ} [سورة النور: 37] .
قال ابن عباس - رضي الله عنهما: كانوا أتجر الناس وأبيعهم، ولكن لم تكن تلهيهم تجارتهم ولا بيعهم عن ذكر الله تعالى. رواه الحاكم وصححه، والبيهقي.
وقد يقال: لا يلزم من كونهم مع النبيين والصديقين أن يكونوا منهم.
وفي"تاريخ ابن عساكر"بإسناده عن أبي عبيد الله محمَّد بن المبارك الصوري البصري رحمه الله قال: ثنا الفضل بن سعيد الأزرق، قال: أتيت راهباً في جبل الأسود فناديته، فأشرف عليَّ، فقلت له: يا واهب! بأي شيء تستخرج الأحزان؟ قال: بطول الانفراد، وبذكر الذنوب، وأخبرك أني ما رأيت شيئًا أجلب له داعي الحزن من أوكارها من الوحدة.
قال؛ فقلت له: وما ترى في المكتسب؟ قال: ذاك زاد المتقين، قلت: إنما أعني الطلب، قال: وأنا - أيضًا - أعني الطلب، قلت: الرجل يلزم سوقًا من الأسواق يكتسب الشيء يعود به على نفسه؟ قال: من أمر الدنيا، أم من أمر الآخرة؟ قلت: من أمر الدنيا، قال: ذاك شر قد كفيه الصديقون، وهل ينبغي للمتقي أن يتشاغل عن الله بشيء؟