الوجه الثامن: التحذير من ظلم أهل الذمة
حيث يأمر اللَّه في كتابه والنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في حديثه بالإحسان لأهل الذمة، وحسن معاملتهم، وتحرم الشريعة أشد التحريم ظلمهم، والبغي عليهم، فقد حثّ القرآن على البر، والقسط بأهل الكتاب السالمين الذين لا يعتدون على المسلمين {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8) } (الممتحنة: 8) . والبر أعلى أنواع المعاملة، فقد أمر اللَّه به في باب التعامل مع الوالدين، وهو الذي وضحه رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في حديث آخر بقوله:"البر حسن الخلق".
ويقول -صلى اللَّه عليه وسلم- في التحذير من ظلم أهل الذمة وانتقاص حقوقهم:"من ظلم معاهدًا، أو انتقصه حقه، أو كلفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة".
ويقول: من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عامًا.
وحين أساء بعض المسلمين معاملة أهل الجزية كان موقف العلماء العارفين صارمًا، فقد مرّ هشام بن حكيم بن حزام على أناس من الأنباط بالشام قد أقيموا في الشمس، فقال: ما شأنهم؟ قالوا: حبسوا في الجزية، فقال هشام: أشهد لسمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: إن اللَّه يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا. قال: وأميرهم يومئذ عمير بن سعد على فلسطين، فدخل عليه، فحدثه، فأمر بهم فخُلوا.
قال القرطبي معلقًا على هذا الحديث: قال علماؤنا: أما عقوبتهم إذا امتنعوا من أدائها مع التمكين فجائز، فأما مع تبين عجزهم فلا تحل عقوبتهم؛ لأن من عجز عن الجزية سقطت عنه. ولا يكلف الأغنياء أداءها عن الفقراء.