ثم ذكر سبحانه وتعالى من أوصافهم التمرد على الحق، (وَلا يَدِينونَ دِينَ الْحَقِّ) ، أي لَا يدينون دين الإسلام الذي - هو الحق في ذاته، لقيام الأدلة والبراهين والآيات القاطعة المثبتة صحة نبوة محمد، ونزول القرآن الكريم عليه، وعجز العرب عن أن يأتوا بمثله، بل عجز الناس أجمعين ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا، وثبت أن هذا الدين هو الحق الخالد الذي نسخ ما قبله من الأديان؛ لأن فيه خلاصتها الباقية، ولو كان موسى بن عمران حيا لآمن به واتبعه، وعندهم العلم به، لأن التوراة والإنجيل قد بشَّرا به، ويعرفون رسالة محمد كما يعرفون آباءهم وأبناءهم، ومع ذلك تمردوا ولم يؤمنوا ولما جاءهم ما عرفوا كفروا به.
وقال تعالى: (مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ) (من) هنا بيانية للذين في قوله تعالى (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ) وإذا كانت (من) بيانية يكون المؤدى: قاتلوا الذين أوتوا الكتاب، وإنما ذكر الكلام أولا معرفا بأوصاف من يقاتلون، ثم بين بعد ذلك بـ (مِن) ، لبيان هذه الأوصاف الموجبة للكفر والعناد أولا، ولبيان تمردهم عن الحق ثانيا، ولأن الإجمال ثم البيان يثبت المعنى فضل تثبيت ثالثا.
فالمقصود قتال أهل الكتاب بعد قتال المشركين، وفَلّ شوكتهم، ولقد قال الحافظ ابن كثير في ذلك:
"هذه الآية الكريمة أول الأمر بقتال أهل الكتاب بعدما تمهدت أمور المشركين، ودخل الناس في دين الله أفواجا، واستقامت جزيرة العرب على أمر الله ورسوله بقتال أهل الكتاب من اليهود والنصارى وذلك في سنة تسع، ولهذا تجهز رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقتال الروم، ودعا الناس إلى ذلك، وأظهره لهم، وبعث إلى أحياء العرب حول المدينة، فأذعنوا له واجتمع من المقاتلة نحوا من ثلاثين ألفا".
وذلك لأن والى الروم قتل من أسلم من أهل الشام، فكان لابد من تقليم أظفارهم، والكلام في القتال في غزوة تبوك سيأتي قريبا، إن شاء الله تعالى.