ثم قال: وحدثني عمير بن نافع عن أبي بكر قال: مرّ عُمَر بن الخطاب رضي الله عنه بباب قوم وعليه سائل يسأل ، شيخ ضرير البصر ، فضرب عضده من خلفه وقال: من أي: أهل الكتاب أنت ؟ فقال: يهودي . قال: فما ألجأك إلى ما أرى ؟ قال: أسأل الجزية ، والحاجة والسن ، قال: فأخذ عمر بيده ، وذهب به إلى منزله فرضخ له بشيء من المنزل ، ثم أرسل إلى خازن بيت المال فقال: انظر هذا وضرباءه ، فوالله ما أنصفناه إن أكلنا شيبته ، ثم نخذله عند الهرم: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ} والفقراء المسلمون ، وهذا من المساكين من أهل الكتاب .
ووضع عنه الجزية وعن ضربائه . قال: قال أبو بكر: أنا شهدت ذلك من عمر ، ورأيت ذلك الشيخ . انتهى .
الثامن: في الغرض من الجزية ورأفة المسلمين بمن أظلوهم بسيوفهم .
قال الإمام الشيخ محمد عبده مفتي مصر في كتاب"الإسلام والنصرانية"في هذا المعنى ، تحت بحث المقابلة بين الإسلامي الحربيّ ، المسيحية السلمية ، ما نصه ص 74:
الإسلام الحربي ، كان يكتفي من الفتح بإدخال الأرض المفتوحة تحت سلطانه ، ثم يترك الناس ، وما كانوا عليه من الدين ، يؤدون ما يجب عليهم في اعتقادهم كما شاء ذلك الاعتقاد ، وإنما يكلفهم بجزية يدفعونها ، لتكون عوناً على صيانتهم ، والمحافظة على أمنهم في ديارهم ، وهم في عقائدهم ومعابدهم وعاداتهم بعد ذلك أحرار ، لا يضايقون في عمل ، ولا يضامون في معاملة ، خلفاء المسلمين ،
كانوا يوصون قوادهم باحترام العبَّاد الذين انقطعوا عن العامة في الصوامع والأديار لمجرد العبادة ، كما كانوا يوصونهم باحترام دماء النساء والأطفال ، وكل من لم يُعِن على القتال .