* إذا علمتَ هذا، علمتَ أنَّ قولَ مَنْ قالَ: إنَّ الله سبحانه بعثَ للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أَبوَيْهِ، فآمنا به، ثم ماتا على الإيمانِ، غُلُوٌّ في الدينِ بغيرِ الحَقِّ مُؤَدٍّ إلى الكفرِ والضلالِ، فمن ظَنَّ، أو شَكَّ أَنَّ مَنْ ماتَ على الكُفْرِ يَدْخُلُ الجنةَ، فقد كَفَرَ، ونعوذُ باللهِ من قولٍ يؤدِّي إلى ضلالٍ. أَلَمْ يرَ هذا القائِلُ إلى قَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -:"إنَّ أَبي وأباكَ في النّار"، وقولِه في أُمِّهِ:"اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي أَنْ أستغفرَ لَها، فلم يَأْذَنْ لي، واستأذَنْتُهُ في أن أزورَ قبرَها، فَأَذِنَ لي"، أو كما قال، فلله سبحانه أن يفعلَ في خلقِه ما يشاءُ، ويقضيَ فيهم ما يريدُ، وإن كانَ نبيُّه - صلى الله عليه وسلم - كريمًا عندَهُ، وعزيزًا لديه، فلا يُسْأَلُ عَمَّا يفعلُ، وهم يسألون.
(من أحكام الجهاد)
180 - (26) قوله جَلَّ جَلالَهُ: {مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (120) } [التوبة: 120] .
* أوجبَ اللهُ سبحانَهُ في هذه الآية على الكافَّةِ النَّفْرَ مَعَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - ، وحَرَّمَ التَّخَلُّفَ عنهُ، واستئثارَهُم بالراحةِ دونَه، ورَغْبَتَهُمْ بأنفسِهِم عن نفسِه؛ كما عَلَّلَهُ اللهُ، وجَوَّزَ لَهُمُ التخلفَ عن النَّفْرِ إِذا قامَ بهِ مَنْ فيه الكفايةُ، ولم ينفرْ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ؛ لِيَتَفَقَّهوا في الدينِ، ولِيُنْذِروا قومَهم إذا رَجَعوا من الغزوِ، ويُخْبروهم بما سَمِعوا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
وقد قَدَّمْتُ في سورةِ البقرةِ أَنَّ هذا مذهبُ ابنِ عَبّاسٍ، والضَّحّاكِ، وقتادةَ.
وقال قومٌ هذهِ الآيةُ منسوخةٌ بقوله تعالى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً} [التوبة: 122] ، ورُوي عن زيدِ بنِ أسلمَ.
والصحيحُ ما قدمتهُ؛ لعدمِ التعارُضِ، ولإرشادِ الخِطاب إلى ما قلتُه