* قال ابنُ عباسٍ - رضي الله تعالى عنهما -: لما تخلَّفَ عَشَرَةٌ من المُسلمين بِلا نِفاقٍ، منهم أبو لُبابَةَ، ومِرْداسٌ، وأبو قَيْسٍ، واعتذَروا، فلم يُعْذَورا حَتَّى أَوْثَقوا أَنْفُسَهم بِسواري المسجد باكين مُتَضَرِّعينَ، وحلفَ أبو لبابَةَ لا يَحُلُّهُ إلا رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ، نزلَ قولُه تعالى: {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا} [التوبة: 102] فلما نزلتِ الآيةُ، أَطْلَقَهُمْ، فقالوا: هذه أموالُنا التي خَلَّفَتْنا، فأبى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أَخْذَها، فنزلَتْ: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} [التوبة: 103] فأخذَ الثُّلُثَ.
قال الحَسَنُ: هذهِ الصدقةُ هي كَفّارةُ الذُّنوبِ التي أَصابوها, وليسَ بالزكاةِ.
قال عِكْرِمَةُ: هي صَدَقَةُ الفَرْضِ.
ويجوزُ أن يرادَ بها الصَّدَقتانِ: صدقةُ الطَّهارةِ من الذنوب، وصدقةُ
التزكيةِ؛ فإنَّ العبرةَ بعمومِ اللفظِ لا بخصوصِ السبب؛ بدليلِ قولي تعالى: {تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} [التوبة: 103] ، فقوله تعالى: {تُطَهِّرُهُمْ} إشارةٌ إلى الصَّدَقَةِ المُطَهِّرَةِ من الذُّنوبِ، وقولُه: {وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} إشارةٌ إلى الصدقةِ الواجِبَةِ المُزَكِّيةِ، وبدليلِ قولي تعالى: {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ} [التوبة: 103] ، وكان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يُصَلِّي على كُلِّ مَنْ أَدَّى صدقةَ مالِه، امتثالًا لأمرِ ربِّه.
روينا في"الصحيحين"عن ابنِ أبي أَوْفى قال: كانَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إذا أَتى قومٌ بصدقتهم، قال:"اللهمَّ صَل على آلِ فُلانٍ"، فأتاه أبي بصدقتِه، فقالَ:"اللهمَّ صَلِّ على آل أبي أَوْفى".
* إذا تَمَّ هذا فقد علمنا أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يأخذْ من كُل أموالِهم صدقةً، فقالَ:"ليسَ للمرءِ المُسْلِمِ في عَبْدِهِ، ولا في فَرَسِهِ صَدَقَةٌ".
وأخذَ من الإِبِلِ والغَنَم، وأَمَرَ بالأَخْذِ منَ البَقَر.
* وأجمعوا على أنه لا زَكاةَ في العُروضِ التي لم يُقْصَدْ بها التِّجارَةُ.
* واختلفوا فيما اتُّخِذَ للتِّجارةِ.
فأوجبَ الزكاةَ فيها فُقهاءُ الأمصار؛ لما رُوِيَ عن سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ: أنه قالَ: أما بَعْدُ، فإنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - كان يأمُرنا أن نُخرجَ الصدقةَ منَ الذي يُعَدُّ للبيع.